في زلزال سياسي جديد يضرب أركان “المشروعية” المهتزة للمملكة المخزنية، خرج ورثة أسد الريف، محمد بن عبد الكريم الخطابي، ليعلنوا للعالم صرخة مدوية: “تلقُّفنا من قبل المغرب عام 1956 كان خطأً تاريخياً وجريمة مكتملة الأركان”. وعبر منبر الحزب الوطني الريفي، يطرق أبناء “الجمهورية المجهضة” أبواب إسبانيا اليوم، لا بلغة البارود هذه المرة، بل بمشروع سياسي دبلوماسي يسعى لتصحيح خطيئة القرن، وتفكيك الاستعمار الداخلي الذي يمارسه المخزن ضد أرض الريف الأبية.
خطيئة 1956: حين سُلّم الريف “هدية” للمخزن
تستند القومية الريفية الجديدة في مرافعتها التاريخية إلى حقيقة يخشى المخزن مواجهتها؛ وهي أن إسبانيا وفرنسا، حين قررتا إنهاء حمايتهما، قامتا بـ “تفويت” أرض الريف للحكومة العلوية دون استشارة سكانها، وفي تجاهل تام لزعيمها التاريخي عبد الكريم الخطابي الذي كان منفياً في مصر آنذاك. إن وصف هذا التسليم بـ “الجريمة” ليس مجرد حذلقة لغوية، بل هو تشخيص لعملية إلحاق قسري حولت الريف من جمهورية واعدة (تأسست عام 1921) إلى منطقة مغضوب عليها تعاني التهميش، القمع، والتعذيب الممنهج منذ عقود.
المخزن هو العدو المشترك: الريف كحل استراتيجي لأوروبا
بذكاء سياسي لافت، يقدم قادة الحزب الوطني الريفي (أمثال علي أعراس ويوبا الغديوي) أنفسهم كشريك استراتيجي لإسبانيا وأوروبا، لا كتهديد. فالرسالة واضحة: “المغرب هو من يبتزكم بالهجرة والمخدرات والإرهاب”، بينما الريف المستقل سيكون “ممتص صدمات” يحمي الجوار الأوروبي. المثير في هذه الانعطافة التاريخية هو الموقف الصادم من سبتة ومليلية؛ حيث يطرح الريفيون أنفسهم كمدافعين عن سيادة المدينتين ضد “المحتل المغربي”، مفضلين الجوار الإسباني على “التغول العلوي” الذي لم يورثهم سوى السجون والمقابر الجماعية.
من الحراك إلى تقرير المصير: سقوط قناع “الإصلاح”
يمثل هذا الحراك السياسي تجاوزاً نوعياً لمطالب حراك الريف عام 2016؛ فبينما كان الزفزافي ورفاقه يطالبون بـ “مستشفى وجامعة” تحت سقف الدولة المغربية، يأتي أحفاد الخطابي اليوم ليعلنوا كفرهم بـ “البيت المغربي” من أساسه. إن المطالبة بتقرير المصير واستعادة الدولة الريفية هي الرد الطبيعي على عقود من الإرهاب المخزني الذي حول البحر المتوسط إلى مقبرة للشباب الريفي الهارب من جحيم القمع والفقر الممنهج.
تخلص القراءة التحليلية لهذا الانبعاث القومي إلى أن “أسطورة المغرب الموحد” تتفكك أمام صمود الذاكرة الريفية. إن اعتراف إسبانيا بخطأ 1956 ليس مجرد مطلب أخلاقي، بل هو مفتاح الاستقرار في شمال إفريقيا. لقد أثبت التاريخ أن الجمهورية الريفية كانت تمتلك مؤسساتها ودستورها وجيشها قبل أن تُبتلع في بطن المخزن بمؤامرة دولية. واليوم، وبينما يترنح النظام في الرباط تحت وطأة الأزمات، ينهض الريفيون ليقولوا: “لقد كنا هنا قبل المغرب، وسنبقى بعد زوال الاستبداد”. إنها بداية النهاية لـ “عقد الإذعان” الذي فرضه الاستعمار، وإعلان صريح بأن أحفاد الخطابي لن يقبلوا بأقل من الحرية الكاملة لجمهورية الريف العظيمة.
