في خطوة حقوقية ودبلوماسية لافتة، عادت ملفات الاستعمار الإسباني الأسود في شمال المغرب لتتصدر المشهد من جديد، حيث وجه “التجمع العالمي الأمازيغي” رسالة شديدة اللهجة ومباشرة إلى العاهل الإسباني، الملك فيليبي السادس، يطالبه فيها بالاعتراف الصريح بالانتهاكات الجسيمة وجبر الضرر عن استخدام الأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً خلال حرب الريف (1921-1926).
استغلال “لحظة اعتراف” ملكية
تلقف التجمع الأمازيغي التصريحات الأخيرة للملك فيليبي السادس خلال زيارته لمعرض “المرأة في المكسيك الأصلية” بمدريد، والتي أقر فيها بوجود “تجاوزات وإشكالات أخلاقية” رافقت الاستعمار الإسباني لأمريكا والمكسيك، معتبراً إياها أموراً “لا يمكن الشعور بالفخر تجاهها”. هذه “الصحوة الأخلاقية” الإسبانية تجاه القارة الأمريكية، دفعت الهيئات الأمازيغية إلى تذكير مدريد بأن الضحايا في “الريف” لا يزالون ينتظرون اعترافاً مماثلاً، خاصة وأن الجرائم المرتكبة هناك كانت تفوق في بشاعتها مجرد “تجاوزات”، بل كانت حرب إبادة جماعية باستعمال غازات سامة.
من باريس إلى مدريد.. عقدة “جريمة ضد الإنسانية”
ثمن التجمع الأمازيغي في رسالته ما وصفها بـ”التصريحات الشجاعة” لفيليبي السادس، محاولاً إسقاط مواقف دولية كبرى على الحالة الإسبانية، وفي مقدمتها تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي أطلقها من الجزائر في فبراير 2017، حين وصف الاستعمار بأنه “جريمة ضد الإنسانية وهمجية حقيقية”. وبناءً على هذا القياس، طالبت الهيئة الأمازيغية ملك إسبانيا بالتدخل الشخصي لإنهاء حالة “الصمت والهروب” التي تنهجها الحكومات الإسبانية المتعاقبة تجاه ملف القصف الكيماوي لمدنيي شمال المغرب.
سياسة “الأبواب الموصدة” في الخارجية الإسبانية
وانتقدت الرسالة بحدة تجاهل وزراء الشؤون الخارجية في إسبانيا لكل المراسلات السابقة، مؤكدة أنه رغم التوجيهات الملكية بصفة الملك رئيساً للدولة، إلا أن الرد الجوهري غائب تماماً. واستذكر التجمع تصريح “جوزيب بوريل” (مسؤول السياسة الخارجية الأوروبي الحالي ووزير خارجية إسبانيا سابقاً) في 2018، الذي تحدث عن “طي صفحة الماضي” بين الرباط ومدريد، معتبراً أن أي مسار للمصالحة لا يمر عبر معركة “أنوال” ومنطقة الريف الكبير والإنصاف من آثار “غاز الخردل” هو مسار أعرج وغير مكتمل.
تحرك برلمانيي حزب “سومار” يعيد الأمل
الرسالة لم تأتِ من فراغ، بل استندت إلى حراك سياسي داخل إسبانيا نفسها، حيث نوه التجمع بمبادرة المجموعة البرلمانية “سومار” التي تقدمت بمقترح داخل مجلس النواب الإسباني يدعو الحكومة إلى:
الاعتراف الرسمي بالاستعمار الإسباني في المغرب.
تطوير سياسات عمومية للذاكرة والبحث في فترة الحماية (1912-1956).
توثيق القصف العشوائي بالأسلحة الكيماوية (غاز الخردل) الذي طال الساكنة المدنية رغم حظره بموجب اتفاقية لاهاي.
نداء أخير لحكومة سانشيز
وختم “التجمع العالمي الأمازيغي” مراسلته بالتماس مباشر للملك للضغط على حكومة “بيدرو سانشيز” للتعامل مع هذا الملف بالجدية الكافية وتقديم رد رسمي ونهائي.
يبقى السؤال المطروح: هل تملك مدريد الشجاعة الأخلاقية لفتح صندوق “باندورا” الخاص بحرب الريف، أم أن الحسابات السياسية الحالية مع المغرب ستجعل من “غاز الخردل” ملفاً مؤجلاً إلى إشعار آخر، رغم استمرار معاناة الأجيال في الريف من آثار تلك السموم حتى اليوم؟
