لم يعد استهداف الصحافيين في فلسطين ولبنان مجرد سلسلة حوادث متفرقة يمكن تفسيرها ضمن منطق “الخطأ الميداني” أو “الضرورات العملياتية” التي يروّج لها الكيان الصهيوني، بل بات يُقرأ، في ضوء الوقائع المتراكمة والأرقام الموثقة، بوصفه نمطًا سلوكيًا ثابتًا يقوم على تعطيل الشهادة، وإعدام الرؤية، وإخراج الحقيقة من مسرح الجريمة قبل أن تصل إلى الرأي العام. فالصحافي، في السياق الذي تفرضه الحرب الصهيونية المفتوحة على الأرض والوعي، لم يعد شاهدًا محميًا بالقانون الدولي، بل أصبح في الحسابات الصهيونية أحد الأهداف التي ينبغي إسكاتها لأنها تُوثّق ما يريد المعتدي إخفاءه.
وتبرز خطورة هذا المسار من خلال التكرار الزمني والجغرافي لعمليات الاستهداف. ففي 28 مارس 2026، استُهدفت سيارة الصحافيين في جزين بأربعة صواريخ مباشرة، ما أدى إلى استشهاد علي شعيب، مراسل قناة “المنار”، وفاطمة فتوني، مراسلة قناة “الميادين”، وشقيقها المصور محمد فتوني. ولم يكن هذا الاستهداف معزولًا عن سجل سابق من الاغتيالات الموجهة؛ فبين عامي 2023 و2024، استشهد خمسة صحافيين على الأقل في جنوب لبنان بضربات صهيونية، بينما أصيب ستة آخرون بجروح، بينهم صحافيان في وكالة “فرانس برس”، في مؤشر واضح على أن المهنة نفسها باتت، في مناطق المواجهة، ضمن دائرة الاستهداف المباشر.
هذا النمط لا يقتصر على لبنان. ففي فلسطين، شكّل اغتيال شيرين أبو عاقلة محطة مفصلية في فضح الذهنية التي يتعامل بها الكيان الصهيوني مع الصحافة. كما ارتفع عدد الصحافيين الذين استشهدوا في حرب غزة الأخيرة إلى أكثر من 140 صحافيًا، وفق ما تردده المنظمات الحقوقية والإعلامية، ما جعل القطاع يُصنَّف واحدًا من أخطر الأماكن في العالم على العاملين في الحقل الإعلامي.
وتذهب “مراسلون بلا حدود” إلى حد وصف جيش الاحتلال بأنه “أكبر قاتل للصحافيين” للعام الثالث على التوالي، مع مسؤوليته عن نصف قتلى الصحافيين عالميًا في 2025، وهو رقم كاشف لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلًا ثانويًا في مسار الحرب، بل بوصفه دليلاً على سياسة ممنهجة.
تكتسب هذه الأرقام معناها الكامل حين تُقرأ في سياق القانون الدولي الإنساني. فالمادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 تنص بوضوح على أن الصحافيين مدنيون ويتمتعون بالحماية الكاملة، فيما يذهب قرار مجلس الأمن رقم 2222 الصادر في 2015 إلى إدانة استهداف الصحافيين في النزاعات المسلحة والدعوة إلى احترام حمايتهم وإنهاء الإفلات من العقاب.
غير أن الفجوة بين النص والتطبيق تبدو في الحالة الصهيونية شاسعة إلى الحد الذي يحوّل القانون إلى شاهد على العجز الدولي أكثر من كونه أداة ردع. فالخوذة الزرقاء المكتوب عليها “PRESS” لم تعد، في الميدان، علامة أمان، بل صارت في العقيدة الصهيونية قرينة على الاستهداف، وأحيانًا أداةً لتحديد الهدف.
لا تؤكد هذه الوقائع فقط انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، بل تكشف أيضًا عن وظيفة سياسية للقتل: قطع لسان الحقيقة في اللحظة التي تكون فيها أكثر حضورًا. فاستهداف الصحافي ليس مجرد إلغاء لفرد، بل محاولة لإلغاء الرواية التي يحملها، وتفكيك القدرة على التوثيق، وتكبيل العين التي ترى، في وقتٍ يراهن فيه الكيان الصهيوني على السيطرة على الصورة بقدر ما يراهن على السيطرة على الأرض.
لذلك، فإن استهداف سيارات الصحافيين، أو قنصهم في وضح النهار، أو قصفهم بطائرات مسيّرة وصواريخ دقيقة، لا يعبّر عن خلل في التقدير، بل عن فهمٍ صهيوني واضح لوظيفة الصحافة بوصفها إحدى أدوات المقاومة المعرفية.
ولعلّ ما يزيد الصورة قتامة هو التطفيف الدولي في التعاطي مع هذه الجرائم.
فالأمم المتحدة تصدر بيانات إدانة، واليونيسكو تطالب بالتحقيق، ومجلس حقوق الإنسان يعبّر عن القلق، ثم لا شيء يتبع ذلك من عقوبات أو إجراءات رادعة. وفي المقابل، حين يُقتل صحافيون في مسرح حرب آخر، تتسارع التحقيقات، وتتكدس الملفات، وتُستدعى المساءلة. أما في فلسطين ولبنان، فتظل القضية مفتوحة إلى أجل غير مسمى، أو تُغلق تحت ذريعة استحالة تحديد المسؤولية، وكأن دم الصحافي العربي أقل وزنًا من غيره، أو كأن حماية الحقيقة باتت امتيازًا جغرافيًا لا حقًا إنسانيًا عامًا.
إن ما يفعله الكيان الصهيوني هنا يتجاوز مجرد خرق للقوانين؛ إنه بناءٌ لبيئة تُفرض فيها العتمة بوصفها قاعدة عسكرية. فحين تُقتل فاطمة فتوني، وشقيقها محمد، وعلي شعيب، وعصام عبد الله، وفرح عمر، وربيع المعماري، وشيرين أبو عاقلة، وحمزة الدحدوح، ومصطفى ثريا، فإن الرسالة لا تتوقف عند حدود الأفراد، بل تمتد إلى كل من يفكر في حمل الكاميرا أو تسجيل الشهادة أو البقاء في الميدان. الرسالة الصهيونية واضحة: لا شهود، لا كاميرات، لا صور، ولا ذاكرة.
ومن هنا، فإن المعركة على الصحافة ليست معركة مهنية فحسب، بل معركة على الحق في المعرفة، وعلى القدرة الجماعية على رؤية ما يحدث في فلسطين ولبنان كما هو، من دون فلترة أو محو أو تبرير. ولذلك فإن حماية الصحافي ليست ترفًا حقوقيًا، بل شرطًا أساسيًا لحماية الحقيقة نفسها. فحين تُستهدف الكاميرا، يكون المستهدف الحقيقي هو الوعي العام، وحين يُغتال الصحافي، فإن ما يُغتال معه هو جزء من ذاكرة الشعوب وحقها في أن تعرف.
في المحصلة، لا يمكن قراءة سجل الكيان الصهيوني مع الصحافيين إلا بوصفه سياسة مدروسة لإعدام الشهادة وإرباك الذاكرة واحتكار الرواية. وهي سياسة، مهما غلّفتها المؤسسة العسكرية بمفردات “الأمن” و”الخطأ” و”الضرورة”، تبقى مكشوفة في جوهرها: عداءٌ منهجي للضوء، وتواطؤ دولي مع آلة تقتل من يرى كي لا يرى العالم.
