في صفعة قوية لخطاب “التنمية المجالية” الذي تروج له حكومة المخزن، أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي تقريراً أسود يعري واقع التهميش الذي يعيشه أزيد من 13.7 مليون نسمة في المناطق القروية. التقرير الذي قُدم يوم الأربعاء، أكد أن 90% من التراب الوطني المغربي ما زال يرزح تحت وطأة “العزلة المستمرة”، بسبب تدهور الطرق غير المصنفة وغياب الصيانة، مما حول المسالك الجبلية والنائية إلى عائق بنيوي يمنع المواطنين من الوصول إلى أبسط الخدمات الاقتصادية والاجتماعية.
وأقرّ المجلس الرسمي بأن ما يسمى بـ”النقل المزدوج” في القرى المغربية بات يشكل خطراً حقيقياً على الأرواح، واصفاً إياه بقطاع يعاني من “تقادم المركبات” وتجاوز طاقاتها الاستيعابية في الغالب. وأشار التقرير إلى أن غياب البدائل القانونية وضعف التغطية بحافلات النقل وسيارات الأجرة، يدفع الساكنة المقهورة إلى الارتهان لـ”النقل غير المنظم” أو ما يعرف بـ”عربات الموت”، وهو ما يفسر تزايد فواجع السير في المنعرجات الجبلية التي تحصد أرواح التلاميذ والعمال بانتظام.
نقل مدرسي وصحي مشلول.. والمبادرة الوطنية في قفص الاتهام
وكشف التقرير عن هشاشة منظومة النقل المدرسي والصحي في “المغرب العميق”، حيث تفتقر الجمعيات المحلية للمركبات والتأطير الكافي، مع ارتهان تمويلها بشكل كامل للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أثبتت الأرقام محدوديتها. وسجل المجلس بأسف وجود “تفاوتات مجالية لافتة” تؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخر التدخلات الطبية الاستعجالية، مما يعني عملياً ترك سكان القرى يواجهون قدرهم المحتوم في حالات المرض أو الحوادث، بسبب غياب سيارات الإسعاف والموارد البشرية المؤهلة.
فراغ قانوني وتوصيات بانتظار “ميثاق 2035”
وعزا التقرير هذه “الردة التنموية” إلى نواقص قانونية فادحة؛ فالقطاع لا يندرج ضمن أي إطار معياري خاص، ودفاتر التحملات تظل مجرد “حبر على ورق” في ظل تعقيدات التنزيل وغياب المراقبة. وبينما يوصي المجلس بوضع “مخطط مندمج” في أفق 2035 وتحديث الشبكة الطرقية، يرى مراقبون أن هذه التوصيات تصطدم بواقع ميزانيات تُوجه للمشاريع “الاستعراضية” في المدن الكبرى، بينما تُترك القرى لمصيرها الأسود في مواجهة العزلة والفقر.
وتخلص القراءة التحليلية لهذا التقرير الرسمي إلى أن المخزن يعترف أخيراً بفشل مقارباته “الترقيعية” في فك العزلة عن القرى. فالمواطن القروي الذي يمثل أزيد من 37% من السكان، يجد نفسه خارج حسابات “المغرب النافع”، ضحية لطرق متهالكة ونظام نقل بدائي يفتقر لأدنى شروط السلامة والكرامة الإنسانية، وهو ما يغذي الاحتقان الاجتماعي ويدفع نحو مزيد من الهجرة القروية واليأس من وعود “التغيير” المتبخرة.
