يشكّل الاستهداف المتعمّد للصحافيين في جنوب لبنان تصعيدًا نوعيًا يخرج عن إطار الانتهاكات المتكرّرة، ليرتقي إلى مستوى الجريمة المركّبة التي تستوفي أركانها المادية والمعنوية وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، إذ يكشف هذا الفعل عن إرادة ممنهجة لإسكات الشهود، ويؤسس، في الآن ذاته، لسابقة خطيرة قوامها تحويل العمل الصحافي من وظيفة مدنية محمية إلى هدف مشروع في منطق القوة العارية.
كما يفضح تسلسل الضربات، بدءًا من الاستهداف الأولي وصولًا إلى ملاحقة من حاولوا النجاة، نمطًا عملياتيًا يقوم على القتل المؤكد لا على تحييد هدف عسكري مزعوم، ما يعكس انزلاقًا صريحًا نحو توسيع تعريف “الهدف” ليشمل الفاعلين المدنيين، ويكرّس خرقًا فجًّا لمبدأي التمييز والتناسب، مؤكّدًا بذلك أن ما جرى لم يكن خطأً تكتيكيًا عابرًا، بل ممارسة مقصودة تتجاوز حدود الاشتباك المشروع.
في السياق ذاته، يكشف الخطاب التبريري المصاحب للجريمة، من خلال سعيه إلى نزع الصفة المدنية عن الصحافي عبر إلباسه صفات أمنية أو عسكرية، عن مسلك خطير يقوّض أحد أهم الضمانات التي أرساها القانون الدولي لحماية المدنيين، كما يفضح توظيفًا انتقائيًا للمفاهيم القانونية يرمي إلى شرعنة الاستهداف، بما يؤسس لبيئة معيارية مضطربة يصبح فيها كل ناقل للحقيقة عرضة للتجريم المسبق.
على هذا الأساس، يؤكد التكرار المنهجي لاستهداف الإعلاميين أن المسألة لم تعد مرتبطة بسياق عملياتي ضيق، بل تعكس تحوّلًا نحو عقيدة ردع موجهة ضد الفضاء الإعلامي ذاته، إذ يهدف هذا النهج إلى فرض صمت قسري على مسرح العمليات، واحتكار السردية عبر إقصاء كل من يوثّق أو ينقل أو يفضح، الأمر الذي يحوّل الحقيقة إلى ضحية موازية في مسار الحرب.
ضمن هذا الإطار، يفرض توصيف الواقعة كجريمة حرب نفسه بقوة الوقائع، لا باعتباره موقفًا سياسيًا أو إعلاميًا، بل استنادًا إلى معايير قانونية واضحة تتعلق بطبيعة الهدف، وسلوك القوة المهاجمة، ونتائج الفعل على المدنيين، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقية منظومته القانونية، في ظل عجز متكرر عن تحويل الإدانة إلى مساءلة فعلية.
في عمق هذه المعطيات، يكشف الحدث عن أزمة بنيوية في نظام العدالة الدولية، حيث تتراكم الانتهاكات دون رادع، وتُختزل المساءلة في بيانات تنديد فاقدة للأثر، بما يعيد إنتاج معادلة مختلّة قوامها القوة بلا قيد، والقانون بلا نفاذ، ويمنح مرتكبي الجرائم هامشًا واسعًا للاستمرار دون خشية من العقاب.
استطرادًا لذلك، يفتح هذا المسار الباب أمام مرحلة أكثر خطورة، تتآكل فيها الحدود الفاصلة بين المدني والعسكري، ويتراجع فيها مفهوم الحماية القانونية لصالح منطق الاستهداف الشامل، الأمر الذي يضع العمل الصحافي في قلب دائرة الخطر، لا بوصفه نشاطًا ناقلًا للوقائع، بل باعتباره تهديدًا للسرديات التي تسعى القوة إلى فرضها.
في المحصلة، تؤكد هذه الجريمة أن المعركة لم تعد تدور حول الأرض أو السيطرة الميدانية فحسب، بل امتدت لتشمل السيطرة على الحقيقة ذاتها، حيث يتحوّل الإعلامي إلى هدف لأنه شاهد، وتتحول الكاميرا إلى تهديد لأنها توثّق، وتصبح الكلمة خطرًا لأنها تكسر الاحتكار.
أخيرًا، يستدعي هذا الواقع تحركًا يتجاوز حدود الإدانة اللفظية إلى مسار قانوني فعلي يضع حدًا لدوامة الإفلات من العقاب، بما يفرض إعادة تفعيل أدوات المساءلة الدولية، وتوسيع نطاق الاختصاص القضائي، وتحميل المسؤوليات بشكل مباشر، على نحو يعيد الاعتبار لهيبة القانون ويمنع تحويله إلى نصّ معطّل في مواجهة القوة.
