كشفت الأرقام الصادمة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب حول سوق الشغل للفصل الأول من سنة 2026 عن عمق الأزمة الهيكلية التي يتخبط فيها الاقتصاد المغربي، مبرزةً زيف الوعود الرسمية بـ”الإقلاع الاقتصادي”. ففي الوقت الذي يروج فيه نظام المخزن لنجاحات وهمية، تفضح البيانات وجود 58.2% من المغاربة خارج سوق الشغل تماماً، ما يعكس عجز السياسات العمومية عن استيعاب الكتلة البشرية الهائلة وتحويلها إلى قوة منتجة.
إن استقرار حجم القوى العاملة عند 11.6 مليون شخص فقط من أصل 27.8 مليون في سن العمل هو إدانة صريحة لمنظومة اقتصادية باتت توصف بـ”العقم” في خلق فرص الشغل.
وتتجلى مظاهر هذا الإخفاق التنموي في الارتفاع المقلق لمعدلات البطالة، لا سيما في الوسط الحضري الذي سجل 13.5%، وبين فئات الشباب (15-24 سنة) التي وصلت فيها النسبة إلى 29.2%. هذا التهميش الممنهج لجيل المستقبل، الذي يجد نفسه محاصراً بين مطرقة العطالة وسندان مقصلة الطرد والاعتقال—كما حدث مؤخراً مع طلبة القنيطرة—يؤكد أن النظام يفضل المقاربة الأمنية على الحلول التنموية.
كما أن استمرار الفوارق الجهوية الحادة، حيث بلغت البطالة في جهة العيون الساقية الحمراء المحتلة 20.3%، يكرس واقع التهميش المجالي الذي تعانيه الأقاليم بعيداً عن محور المركز.
أما على مستوى النوع الاجتماعي، فإن الأرقام تعكس فجوة سحيقة تكرس إقصاء المرأة المغربية من الدورة الاقتصادية؛ حيث لا تمثل النساء سوى 21% من مجموع القوى العاملة، بمعدل مشاركة هزيل لا يتعدى 17.5%. هذا الإقصاء لا يقتصر على البطالة فحسب، بل يمتد إلى هشاشة التشغيل، حيث يرتفع المعدل المركب للاستخدام غير الكامل لدى النساء إلى 31.1%.
إن هذه المعطيات تؤكد أن شعارات “تمكين المرأة” التي يرفعها المخزن في المحافل الدولية ليست سوى مساحيق تجميل لوضع اجتماعي يتسم بالتمييز وغياب تكافؤ الفرص.
كما أن اعتماد منهجية جديدة لرصد سوق الشغل في سنة 2026 قد كشف المستور وأظهر أن الضغط الحقيقي على سوق العمل أكبر بكثير مما كان يُعلَن سابقاً، مع وجود قوة عاملة محتملة تناهز 884 ألف شخص تضاف إلى جيش العاطلين.
إن هذا الانسداد الاقتصادي، الذي يتزامن مع ارتماء النظام في حضن التحالفات المشبوهة وقمع الأصوات الحرة مثل الكاتب عبد الرحيم حزل والمؤرخ المعطي منجب، يضع المغرب أمام فوهة بركان اجتماعي. فالاقتصاد الذي يعجز عن تشغيل شبابه ونسائه، ويكتفي بتصدير أزماته عبر قوارب الموت، هو اقتصاد محكوم بالفشل مالم تستعد السيادة الشعبية بوصلتها الحقيقية.
