وضعت معطيات تقرير “طاليس 2024” الدولي حكومة عزيز أخنوش في موقف محرج، بعدما كشفت الأرقام عن هوة سحيقة بين الخطاب الرسمي “المتفائل” وواقع الحصيرة داخل الفصول الدراسية. فبينما كان رئيس الحكومة يتبجح في “المنتدى الوطني للمدرس” بجعل كرامة الأستاذ “خطاً أحمر”، جاء التقرير الدولي ليؤكد أن المنظومة التربوية المغربية باتت آلة لإنتاج التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وسط إحباط مهني غير مسبوق دفع بربع هيئة التدريس إلى التفكير جدياً في مغادرة المهنة.
وكشف التقرير الذي عرض خلاصاته “المجلس الأعلى للتربية والتكوين”، أن المدرسة العمومية المغربية تكرس “اللاعدالة”، حيث يُقذف بالأساتذة المبتدئين (30% من الهيئة) إلى المناطق القروية والمدارس الهشة، مما يحرم أبناء الفقراء من خبرة الأساتذة المتمرسين. هذا التوزيع غير العادل، ينضاف إليه اعتراف 84% من أساتذة الإعدادي بوجود تفاوتات صارخة في مستويات التلاميذ داخل الفصل الواحد، مما يحول العملية التعليمية إلى “مهمة مستحيلة” في ظل غياب الوسائل الرقمية وتدني التكوين الأكاديمي.
أرقام الصدمة: “هروب جماعي” من الفصول
وتعد أخطر خلاصات “طاليس 2024” هي تلك المتعلقة بالصحة النفسية والرضا المهني؛ حيث يعاني الأساتذة المغاربة من أعلى مستويات “الإنهاك الجسدي” والضغط النفسي عالمياً، بسبب الفوضى داخل الفصول وكثرة المهام الإدارية. وأظهرت الأرقام أن ربع الأساتذة ينوون الاستقالة، وهي النسبة التي تقفز إلى 60% لدى الفئة التي تجاوزت سن الخمسين، مما ينذر بـ “نزيف حاد” في الموارد البشرية قد يؤدي إلى شلل تام في قطاع التعليم خلال السنوات القليلة القادمة.
خطاب أخنوش.. مسكنات لا تعالج “السرطان” التربوي
في المقابل، حاول عزيز أخنوش امتصاص الغضب الشعبي والحقوقي بالحديث عن زيادة 1500 درهم في الأجور، معتبراً أن حكومته “أعادت الاعتبار” للمدرس. غير أن المراقبين يرون في هذه الزيادات مجرد “مسكنات” لم تنجح في تحسين الترتيب العالمي للأستاذ المغربي الذي يظل من بين الأقل رضا عن أجره دولياً. كما أن برنامج “مدارس الريادة” الذي تروج له الحكومة كطوق نجاة، يواجه انتقادات لاذعة لكونه يركز على الجوانب التقنية الشكلية ويتجاهل المعضلات البنيوية التي رصدها تقرير “طاليس”، وعلى رأسها ضعف الاستقلالية البيداغوجية وتهميش المدرس في صياغة المناهج.
وتخلص القراءة التحليلية للمشهد التعليمي بالمغرب إلى أن “ثلاثية الإصلاح” (المدرسة، المدرس، التلميذ) التي يتحدث عنها أخنوش، لا تزال تعرج على أرض الواقع. فالمدرسة العمومية تفقد جاذبيتها، والمدرس يفكر في الهجرة أو التقاعد المسبق، والتلميذ يظل ضحية لهدر مدرسي يحاول النظام التغطية عليه بزيادة عدد مراكز “الفرصة الثانية”. إن سياسة “تجميل الواجهة” التي ينهجها المخزن لن تحجب حقيقة أن التعليم في المغرب بات “مصعداً معطلاً” لا يخدم سوى أبناء النخبة، بينما يغرق أبناء الشعب في دوامة الجهل الممنهج والفقر التعليمي.
