الجمعة 10 أفريل 2026

الجزائر بين التعبئة والمخزون الاستراتيجي والصمود… ثلاثية السيادة لكسر معادلة الابتزاز… بقلم الخبير الاقتصادي الدكتور الهواري تيغرسي

نُشر في:
بقلم: الخبير الاقتصادي الدكتور الهواري تيغرسي
الجزائر بين التعبئة والمخزون الاستراتيجي والصمود… ثلاثية السيادة لكسر معادلة الابتزاز… بقلم الخبير الاقتصادي الدكتور الهواري تيغرسي

في عالم يعاد تشكيله على وقع الأزمات الجيوسياسية، لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الموارد، بل بمدى القدرة على تعبئتها، تخزينها، والصمود بها في لحظات الضغط. وبينما تتخبط العديد من الدول في ردود الأفعال، تبرز الجزائر كنموذج لدولة تسعى إلى بناء عقيدة سيادية قائمة على ثلاثية حاسمة: التعبئة – المخزون الاستراتيجي – الصمود.

هذه الثلاثية لم تعد مجرد خيار اقتصادي، بل أصبحت خط دفاع استراتيجي في مواجهة عالم تحكمه حروب الطاقة والغذاء، خاصة بعد تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد التوترات في محيط مضيق هرمز.

أولاً: التعبئة… من رد الفعل إلى هندسة الاستباق

التعبئة في السياق الجزائري لم تعد ظرفية، بل تحولت إلى سياسة استباقية لإدارة المخاطر. فالدولة لم تنتظر الأزمات، بل شرعت في:
• توسيع شبكة الأنابيب نحو أوروبا، خاصة عبر إيطاليا
• تنويع مسارات تصدير الغاز لتفادي أي ضغط جيوسياسي
• الاستثمار في البنية التحتية الطاقوية

مؤشرات القوة:

• الجزائر من أكبر موردي الغاز لأوروبا
• تمتلك شبكة أنابيب استراتيجية (ترانسمد، ميدغاز، ومشاريع مستقبلية)
• أكثر من 900 كلم من التمديدات الجديدة لتعزيز الأمن الطاقوي

النتيجة:

الجزائر لا تنتظر الأزمة… بل تبني موقعها قبل حدوثها.

ثانياً: المخزون الاستراتيجي… من التخزين إلى السيادة

التحول الأهم هو الانتقال من مفهوم “التخزين” إلى إدارة ذكية للمخزون الاستراتيجي، خاصة في:
• الغذاء (الحبوب، المواد الأساسية)
• الطاقة (الوقود والغاز)
• الصحة (الأدوية والمستلزمات)

في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، أصبح المخزون:

أداة سيادية تمنع نقل الأزمات العالمية إلى الداخل

دلالات استراتيجية:

• ارتفاع أسعار الحبوب عالميًا بعد حرب أوكرانيا
• اضطراب الأسواق الطاقوية بسبب التوترات الدولية
• توجه عالمي نحو رفع الاحتياطات

في هذا السياق، تعمل الجزائر على:

• رفع قدرات التخزين
• تقليل التبعية للاستيراد
• ربط المخزون بالإنتاج المحلي

ثالثاً: الصمود… حين تتحول الموارد إلى قوة سياسية

الصمود هو الاختبار الحقيقي. وهو ما يميز الدول القوية عن الهشة.

الجزائر تمتلك عناصر صمود مهمة:

1. قوة طاقوية
• احتياطات معتبرة من الغاز والنفط
• موقع استراتيجي قريب من أوروبا
• قدرة على لعب دور محوري في أمن الطاقة

2. عمق جيوسياسي
• بوابة بين إفريقيا وأوروبا
• دور محوري في الاستقرار الإقليمي

3. هامش استقلال القرار
• سياسة خارجية قائمة على عدم الانحياز
• رفض منطق الابتزاز والضغوط

النتيجة:

الجزائر ليست فقط دولة منتجة… بل دولة قادرة على الصمود في وجه الضغوط.

تحليل استراتيجي: كيف تكسر الجزائر معادلة الابتزاز؟

في عالم اليوم، الابتزاز يتم عبر:
• الطاقة
• الغذاء
• الجغرافيا (دول العبور)

لكن الجزائر تعمل على كسر هذه المعادلة عبر:

✔️ تنويع المسارات

(مشروع أنبوب الجزائر – سردينيا نموذجًا)

✔️ تقليص الاعتماد على طرف واحد

سواء في التصدير أو الاستيراد

✔️ بناء بدائل استراتيجية

لضمان حرية القرار الوطني

السيناريوهات الإيجابية للجزائر

السيناريو الأول: قوة طاقوية إقليمية
• تعزيز موقعها كممون رئيسي لأوروبا
• الاستفادة من ارتفاع الطلب على الغاز

السيناريو الثاني: قطب استقرار اقتصادي
• استقرار داخلي بفضل المخزون الاستراتيجي
• تحكم أفضل في الأسعار

السيناريو الثالث: قيادة إقليمية
• دور محوري في إفريقيا
• مساهمة في الأمن الغذائي والطاقوي

التحديات الواقعية (دون إنكار)

رغم هذه القوة، هناك تحديات:
• تبعية نسبية في الغذاء
• ضرورة تسريع الإصلاح الصناعي
• تحسين الحوكمة الاقتصادية

📌 لكن:
الفرق بين الدول ليس في غياب التحديات… بل في القدرة على إدارتها.

خلاصة المقال:

بين التعبئة والمخزون الاستراتيجي والصمود، ترسم الجزائر اليوم معادلة جديدة للقوة:

قوة لا تقوم فقط على الموارد، بل على القدرة على التحكم فيها في زمن الأزمات

وفي عالم لا يعترف إلا بمن يملك خياراته، تبدو الجزائر:

دولة تبني سيادتها بهدوء… وتكسر معادلات الابتزاز دون ضجيج.

رابط دائم : https://dzair.cc/r0mt نسخ

اقرأ أيضًا