الخميس 12 مارس 2026

الجزائر والصين.. تحالف المواقف الثابتة في وجه التسويات المفروضة على الصحراء الغربية

نُشر في:
الجزائر والصين.. تحالف المواقف الثابتة في وجه التسويات المفروضة على الصحراء الغربية

في الوقت الذي انحازت فيه بعض القوى الكبرى إلى مقاربة “الواقعية السياسية” في ملف الصحراء الغربية، برز الموقف الصيني مؤخرًا ليعيد التذكير بأن الحل العادل لا يمكن أن يكون على حساب الشرعية الدولية، ولا على حساب حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. هذا الموقف المنسجم مع الرؤية الجزائرية الثابتة يؤكد من جديد عمق التفاهم الاستراتيجي بين الجزائر وبكين في الدفاع عن مبادئ القانون الدولي، ورفض منطق الإملاءات الذي يسعى إلى تكريس الأمر الواقع في المنطقة المغاربية.

فبعد اعتماد مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة الماضي، قرارًا جديدًا يمدد ولاية بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) لمدة عام، عبّرت الصين عن امتعاضها من فقرات وردت في النص “لم توازن بين شواغل جميع الأطراف، ولم تعكس بشكل موضوعي جميع المبادرات”، وهو ما دفعها إلى الامتناع عن التصويت. الموقف الصيني لم يكن شكليًا أو بروتوكوليًا، بل جاء ليؤكد دعم بكين لنهج تفاوضي قائم على المساواة والاحترام المتبادل بين المغرب وجبهة البوليساريو، بعيدًا عن الحلول الجاهزة التي تتجاهل جوهر القضية: حق تقرير المصير.

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية، ماو نينغ، إن بلادها “تدعم التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، من خلال مفاوضات في ظروف متكافئة”. هذا التصريح الذي جاء في توقيت حساس، يعيد التأكيد على تمسك الصين بموقف مبدئي طالما شاركتها فيه الجزائر، مفاده أن الأمم المتحدة هي الإطار الشرعي الوحيد لمعالجة النزاعات، وأن أي مبادرة لا تستند إلى قراراتها لا يمكن أن تنتج سلامًا دائمًا.

من جهتها، تواصل الجزائر الدفاع بثبات عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، باعتباره مبدأً مؤسسًا في القانون الدولي وركيزة من ركائز سياستها الخارجية منذ الاستقلال. الجزائر لا تنظر إلى القضية الصحراوية من زاوية الجوار الجغرافي فحسب، بل تراها امتدادًا لتاريخها النضالي التحرري الذي قادها إلى الاستقلال في 1962 بعد مقاومة دامت 132 عامًا. ولهذا، فإنّ موقفها المبدئي يجد صدى طبيعيًا لدى الصين التي بنت بدورها سياستها الخارجية على أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

العلاقات الجزائرية–الصينية، التي تطورت إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”، لا تقتصر على التعاون الاقتصادي والاستثماري فحسب، بل تشمل أيضًا تطابقًا في الرؤى حول قضايا السلم والأمن في إفريقيا والعالم العربي. فبكين التي ترى في الجزائر شريكًا محوريًا في مبادرة “الحزام والطريق”، تنظر أيضًا إلى موقفها من الصحراء الغربية كضمانة لاستقرار إقليمي قائم على الشرعية وليس على الغلبة.

وبينما تسعى قوى دولية إلى فرض “حل الحكم الذاتي” كخيار وحيد تحت مسمى “الواقعية السياسية”، تتمسك الجزائر والصين بمقاربة أكثر اتزانًا وعدالة، تقوم على الحوار الشامل وعلى التفاوض دون شروط مسبقة، بما يسمح للطرفين – المغرب وجبهة البوليساريو – بالتوصل إلى حل توافقي يضمن الكرامة والحقوق المشروعة للشعب الصحراوي. هذا الموقف يعيد التوازن إلى الساحة الدولية، ويحدّ من محاولات بعض الأطراف استغلال قرارات مجلس الأمن لتصفية آخر ملفات تصفية الاستعمار في القارة الإفريقية.

كما أنّ الدعم الصيني للجهود الجزائرية في هذا الملف لا ينفصل عن الرؤية الأوسع لبكين في القارة الإفريقية، حيث تراهن على دور الجزائر كوسيط موثوق قادر على حماية منطق الشرعية وتغليب الحلول السلمية. فالصين التي تدرك ثقل الجزائر التاريخي والسياسي، تجد فيها بوابة لتوازن القوى في شمال إفريقيا، وشريكًا يعتمد عليه في الدفاع عن المبادئ الأممية ضد نزعات التوسع والهيمنة.

وفي سياق التحالفات الدولية المتغيرة، يُعدّ الاصطفاف الجزائري–الصيني تعبيرًا عن جبهة مناهضة لمنطق “التطويع الدبلوماسي” الذي يختزل القضايا الوطنية في صفقات ظرفية. فالبلدان، برغم اختلاف التجربة والسياق، يتقاطعان في الإيمان بأن العدالة الدولية لا يمكن أن تتحقق إلا بتمكين الشعوب من حقها في تقرير مصيرها بحرية، لا بفرض حلول تعيد إنتاج السيطرة تحت غطاء “الاستقرار”.

إنّ تلاقي الجزائر والصين حول ملف الصحراء الغربية ليس مجرد تلاقٍ تكتيكي أو ظرفي، بل هو امتداد لشراكة قائمة على الثقة والمبادئ. شراكة تُدرك أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يولد من قرارات تُملى من الخارج، بل من إرادة الشعوب في الحرية والكرامة والسيادة.
وفي زمنٍ تتراجع فيه قيم العدالة تحت وطأة الحسابات الجيوسياسية، تبدو الجزائر والصين آخر حاملي مشعل الشرعية الدولية في مواجهة منطق “الأمر الواقع” الذي يريد تحويل الاستعمار إلى تسوية سياسية مقبولة.

رابط دائم : https://dzair.cc/mmpt نسخ

اقرأ أيضًا