في خضمّ حربٍ تتجاوز حدود الجغرافيا إلى اختبار موازين الإرادة، يتكشّف تدريجيًا أن ما تخفيه الرواية الرسمية في واشنطن لا يقلّ خطورة عمّا يجري في الميدان. فالحرب التي شُنّت تحت عناوين الهيمنة والردع، تحوّلت إلى ساحة انكشاف مزدوج: انكشاف عسكري أمام صمود إيراني متماسك، وانكشاف سياسي أمام تضخّم كلفةٍ تحاول المؤسسات الأمريكية طمسها أو تقليلها.
منذ أكتوبر 2023، تشير المعطيات التي كشفها موقع “ذا إنترسبت” إلى أنّ عدد القتلى والجرحى في صفوف القوات الأمريكية في الشرق الأوسط يقترب من 750 عسكريًا، في وقتٍ لا تزال فيه البيانات الرسمية تكرّس أرقامًا أدنى بكثير، معتمدةً على إحصاءات قديمة وناقصة.
هذا التباين الصارخ ليس مجرد خلل إداري، بل يعكس – وفق توصيف مسؤولين عسكريين – ما بات يُعرف داخل الأوساط الأمريكية بـ“التستر على الخسائر”، حيث تُحجب الأرقام الدقيقة، ويُمتنع عن تحديثها، وتُترك الوقائع الميدانية خارج التداول العام.
ففي الوقت الذي أعلنت فيه القيادة المركزية الأمريكية إصابة نحو 303 عسكريين فقط منذ بداية ما يُسمّى “عملية الغضب الملحمي”، تبيّن أن هذه الأرقام استثنت هجمات حديثة، منها إصابة ما لا يقل عن 15 جنديًا في قصف إيراني استهدف قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية.
بل إن القيادة نفسها امتنعت عن تقديم حصيلة واضحة للقتلى، رغم تأكيدات مستقلة بأن العدد لا يقل عن 15 عسكريًا منذ بداية الحرب.
غير أن الصورة الأوسع تبدو أكثر تعقيدًا وخطورة. فالإحصاءات الرسمية لا تشمل آلاف المتعاقدين المدنيين المرتبطين بالجيش الأمريكي، والذين تشير البيانات إلى أن إصاباتهم وحدها بلغت نحو 12,900 حالة، مع مئات الإصابات الخطيرة وعشرات القتلى. وعند جمع هذه الأرقام مع خسائر الجنود، ترتفع الحصيلة التقديرية إلى ما يتجاوز 13,600 قتيل وجريح، وهو رقم يعيد تعريف حجم النزيف البشري الذي تحاول المؤسسة العسكرية إخفاءه.
في المقابل، لم يأتِ الردّ الإيراني في شكل ردود فعل عشوائية، بل ضمن استراتيجية محسوبة أعادت رسم معادلات الردع في المنطقة. فقد استهدفت الضربات الإيرانية قواعد أمريكية في السعودية والعراق وسوريا ودول الخليج، مستخدمةً مزيجًا من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ما أجبر القوات الأمريكية في بعض الحالات على الانسحاب من قواعدها واللجوء إلى منشآت مدنية، بما في ذلك الفنادق والمكاتب.
هذا التحول الميداني لا يعكس مجرد ضغط عسكري، بل يكشف عن اختلال في الجاهزية الدفاعية الأمريكية، خاصة في مواجهة سلاح الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة. فبينما تعتمد واشنطن على أنظمة دفاعية باهظة الثمن، أثبتت الطائرات الإيرانية، مثل “شاهد-136”، قدرتها على اختراق هذه الأنظمة وإحداث أضرار ملموسة، في معادلة غير متكافئة من حيث الكلفة والفعالية.
وقد أقرت تقارير غربية، منها ما نشرته الصحافة البريطانية، بأن الولايات المتحدة تواجه للمرة الأولى منذ عقود حربًا ضد دولة ذات جيش نظامي، وليس مجرد جماعات مسلحة، وهو ما أدى إلى خسائر من طبيعة مختلفة، أقرب إلى الحروب التقليدية منها إلى العمليات المحدودة.
وتتجلى هذه الخسائر أيضًا في تضرر ما لا يقل عن 13 قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، وتقدير الأضرار بأكثر من 1.5 مليار دولار خلال الأسابيع الأولى فقط، فضلًا عن إصابة مئات الجنود ومقتل آخرين.
كما كشفت تطورات ميدانية حديثة عن إسقاط طائرات أمريكية داخل الأراضي الإيرانية، في سابقة تعكس تآكل فرضية “السيطرة الجوية المطلقة” التي طالما روّجت لها واشنطن.
في مقابل هذا المشهد، يبرز الصمود الإيراني بوصفه العامل الأكثر تأثيرًا في مسار الحرب. فرغم استهداف قيادات عسكرية بارزة منذ الأيام الأولى، لم تنزلق البلاد إلى الفوضى، ولم تتفكك مؤسسات الدولة، بل استمر الأداء المؤسسي والعسكري بوتيرة متماسكة، مدعومًا بحاضنة شعبية خرجت دفاعًا عن السيادة الوطنية.
لا يمكن اختزال هذا الصمود في البعد العسكري فقط، بل هو نتاج تراكم طويل من التعبئة الفكرية والسياسية، التي جعلت من مفاهيم الكرامة والاستقلال عناصر مركزية في الوعي الجمعي. وهو ما يفسّر عجز الضغوط العسكرية، مهما بلغت شدتها، عن تحقيق أهدافها السياسية، وفي مقدمتها فرض الاستسلام أو تفكيك الداخل.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات الإدارة الأمريكية، التي تتحدث عن “حتمية الخسائر” وضرورة “استكمال المهمة”، أقرب إلى محاولة تبرير واقعٍ لم يعد قابلًا للإخفاء. فالحرب التي كان يُراد لها أن تكون خاطفة، تحوّلت إلى استنزاف مفتوح، تتزايد كلفته البشرية والمادية يومًا بعد يوم.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار عميق لمنطق القوة ذاته: هل تُقاس بقدرة التدمير، أم بقدرة الصمود؟
وفي هذا الاختبار تحديدًا، يبدو أن إيران لا تدير معركة بقاء فقط، بل تفرض معادلة جديدة تُعيد تعريف حدود الهيمنة، بينما تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مأزق مركّب: حرب لا يمكن حسمها سريعًا، وخسائر لا يمكن إعلانها بسهولة.
وهكذا، بين صمودٍ يترسّخ، وروايةٍ تتآكل، تتكشف حقيقة جوهرية: أن ما يُخفى اليوم تحت عنوان “التستر”، سيغدو غدًا الدليل الأبرز على أن موازين القوة لم تعد كما كانت.
