السبت 11 أفريل 2026

السياحة في الجزائر: طموح وطني يحتاج إلى توضيح.. بين الإمكانيات الهائلة والتردد في الاختيار

نُشر في:
بقلم: بوبكر عبيد
السياحة في الجزائر: طموح وطني يحتاج إلى توضيح.. بين الإمكانيات الهائلة والتردد في الاختيار

بقلم: بوبكر عبيد

سيداتي وسادتي أصحاب القرار،
اسمحوا لي، بصفتي إطاراً سابقاً في قطاع السياحة، أن أفتح هذا الحديث بقناعة صقلتها التجربة: إن تحدي السياحة في الجزائر لا يكمن فيما نفتقده… بل فيما لا نزال نتردد في تبنيه بشكل كامل.

نحن نملك الأوراق الرابحة. نملك المناطق السياحية. ونملك غالباً حتى الوسائل. لكننا نبقى في منطقة توازن غير مريحة: تلك المنطقة التي نرغب فيها بتطوير السياحة… دون تحمل كل تبعاتها.

إنها مسألة خيار، وانسجام… ومجتمع. نحن نمتلك كل شيء:
ساحل استثنائي، تراث تاريخي كثيف، وصحراء من بين الأبرز في العالم. ومع ذلك، نبقى في سجل “المؤهلات” فقط. لماذا؟
لأننا نريد فوائد السياحة… دون أن نقبل دائماً بما تقتضيه.
1. الخروج من الغموض الاستراتيجي

الجزائر لن تكون لا المغرب ولا تونس — وهذا ليس تأخراً ولا ضعفاً. إنها خصوصية، بل بالأحرى تفكير في تنمية تتوافق مع سوسيولوجية الجزائر. الرهان ليس في “إجبار” المجتمع على أن يصبح سياحياً، بل في خلق سياحة تشبهه. يجب تطوير سياحة “هادئة” ومحترمة.

الحل المفتاح: تجنب السياحة الجماعية. وتفضيل:

السياحة البيئية (الصحراء، الجبال).

السياحة الثقافية (المواقع التاريخية، التقاليد).

السياحة العلمية أو الاستكشافية.

وهذا ليس مشكلة بالنظر إلى الوسائل التي نملكها. بشرط تبني نموذج:

تدريجي.

متحكم فيه.

متجذر بعمق في واقعنا الاجتماعي.
ومع ذلك، يجب تحويله إلى خيار مُتبنى، وليس مجرد موقف انتظار.

استراتيجية حسب المناطق: المسار الوحيد ذو المصداقية

تيبازة: بين البحر والذاكرة: سياحة ثقافية وشاطئية متحكم فيها، يحملها المواطنون كسفراء.

وهران: محرك الانفتاح: مدينة جاهزة، قادرة على تجسيد جزائر واثقة وديناميكية.

قسنطينة: قوة السرد: وجهة يجب أن تُعاش، وتُشرح، وتُجسد.

تلمسان: الميراث والروحانية: قطب طبيعي لسياحة ثقافية ودينية مهيكلة، لا سيما حول الزاوية التجانية بعين ماضي.

منطقة القبائل: تجربة وثقافة حية: منطقة تمارس السياحة بالفعل في الواقع: الضيافة، التنظيم المحلي، والجاذبية الطبيعية. نموذج هادئ… لكنه ثمين. مكسب وطني حقيقي يجب استثماره وتعميمه كنموذج (سياحة جبلية، بيئية وثقافية، تثمين القرى، الصناعة التقليدية، ومهيكلة الإيواء لدى الساكنة).

الهضاب العليا: الأصالة والعمق الإنساني: فضاء مثالي لسياحة ريفية، صادقة وغامرة.

الجنوب الكبير: بصمتنا العالمية: سياحة استثنائية تفرض شرطاً ضرورياً: وضع الإنسان المحلي في المركز، وليس في الهامش.

2. محركان يجب تفعيلهما دون تأخير

السياحة الدينية: قطاع مستقر، مهيكل ومنسجم مع قيمنا. والزاوية التجانية بعين ماضي هي خير مثال على ذلك، بإشعاع يتجاوز حدودنا بكثير.

السياحة الحموية: إمكانات ملموسة، قابلة للتعبئة فوراً. هي في آن واحد: محرك للسياحة الداخلية، ورافعة للجاذبية الدولية من أجل سياحة العلاج والرفاهية. إمكانات استراتيجية فورية. يمكن للحموية أن تصبح: ركيزة للسياحة الاجتماعية وجسراً نحو سياحة طبية دولية.

3. العامل الحاسم: الإنسان

يمكننا التخطيط، الاستثمار، والهيكلة. لكن السياحة تظل كيمياء هشة:

نظرة.

استقبال.

موقف.
وهذا لا يُفرض بمرسوم. حقيقة يجب معالجتها بوضوح ودون مواربة:
نحن نريد سياحة متحكماً فيها — وهذا مشروع. لكن أحياناً لدرجة جعلها غير مرئية — مما يجعلها غير فعالة.
نحن نريد الحفاظ على توازناتنا. لكن دون أن نحدد دائماً بوضوح إلى أي مدى نرغب في الانفتاح.

هذا ليس تناقضاً لا يمكن تجاوزه. لكنه سؤال يستحق الحسم. ما أصبح من الضروري مباشرته:

تطوير السياحة الداخلية كقاعدة أساسية.

مرافقة ثقافة الخدمة المتكيفة مع قيمنا.

إعطاء استقلالية حقيقية للأقاليم.

تشجيع المبادرات المحلية.

توضيح الإطار الثقافي للاستقبال.
باختصار: المضي قدماً بمنهجية… وانسجام.

4. الخاتمة — بصراحة التجربة

لقد رأيت استراتيجيات ذات صلة تتباطأ لعدم اتخاذ القرار. رأيت فرصاً مؤجلة باسم التوازن. رأيت طموحات يُعبر عنها… دون أن تُترجم دائماً. ومع التمعن، تفرض قراءة نفسها:

السياحة في الجزائر ليست في حالة فشل.

إنها في حالة انتظار… لموقف واضح.

نحن في لحظة حاسمة. إما الاستمرار في المضي قدماً بحذر، مع المخاطرة بالبقاء في الخلف، أو تبني رؤية تدريجية، مع قبول مخاطرة — محسوبة — بالتطور.
السياحة لا تتطلب التخلي عما نحن عليه. لكنها تفترض قبول أن نكون مَحط أنظار، مزارين… وأحياناً محل تساؤل. القرار الحقيقي إذاً ليس اقتصادياً:
إنه ثقافي.
وهو ملك لنا.

يوم نقبل بأن السياحة تُغيّر بقدر ما تُدر من أرباح، في ذلك اليوم، ستصبح الجزائر وجهة. وحتى ذلك الحين، سنظل مجرد “وعد”.

بوبكر عبيد (إطار سابق في قطاع السياحة)

رابط دائم : https://dzair.cc/vzbe نسخ

اقرأ أيضًا