في السادس من نوفمبر 1975، وبينما كان الديكتاتور الإسباني فرانكو يعيش أيامه الأخيرة، أطلق النظام المغربي بقيادة الحسن الثاني ما عُرف بـ”المسيرة الخضراء” — حشدًا قوامه نحو 350 ألف مدني — نحو الصحراء الإسبانية، في خطوة هدفت إلى فرض واقع جديد بالقوة واستغلال ضعف الدولة الإسبانية آنذاك.
كانت العملية مدروسة بعناية، بتواطؤ غربي معلن، وعلى رأسه دعم وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA). وهكذا بدأت مأساة شعبٍ ما زال ينتظر منذ نصف قرن أن يُمنح حقه الطبيعي في تقرير مصيره.
انسحاب مخزٍ وولادة ظلم تاريخي
في 14 نوفمبر 1975، وقّعت مدريد ما سُمِّي بـ”اتفاقيات مدريد”، التي سلّمت بموجبها إدارة الصحراء الغربية إلى المغرب وموريتانيا دون أي تفويض قانوني، ودون استشارة الشعب الصحراوي كما تقتضي مواثيق الأمم المتحدة.
لم يكن ذلك إنهاءً لمسؤولية إسبانيا كقوة استعمارية، بل كان تخليًا مهينًا عن واجبها التاريخي والأخلاقي. فقد غادرت جيوشها تاركة وراءها شعبًا أعزل، لتبدأ فصول القمع والاحتلال ونهب الثروات.
قصف المغرب اللاجئين الصحراويين بالنابالم والفوسفور الأبيض، ففرّ عشرات الآلاف نحو الأراضي الجزائرية، حيث أُقيمت مخيمات تندوف التي تحولت إلى رمزٍ للمأساة والمقاومة في آن واحد. ومنذ ذلك الحين، وُلدت ثلاثة أجيال في المنفى، لم تطأ أقدامها أرض الوطن.
حق تقرير المصير.. وعد لم يتحقق
القضية الصحراوية ليست نزاعًا حدوديًا، بل ملف تصفية استعمار غير مكتمل. فالقانون الدولي واضح: الصحراء الغربية إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، وإسبانيا تبقى رسميًا القوة المديرة له وفق الأمم المتحدة.
كما أكدت محكمة العدل الدولية عام 1975 أن لا وجود لأي روابط سيادة بين المغرب والإقليم، وأن الحل الوحيد المشروع هو أن يقرر الشعب الصحراوي مستقبله بحرية.
لكن الاستفتاء الذي وعدت به الأمم المتحدة لم يُجرَ قط. فبعثة “المينورسو”، التي أنشئت عام 1991 لتنظيم الاستفتاء، تحولت إلى جهاز مراقبة للجمود، بعد أن عطّل المغرب مسارها وحاول تحويلها إلى غطاء للاحتلال. وعندما كسر المغرب وقف إطلاق النار في نوفمبر 2020 بمنطقة الكركرات، عاد صوت السلاح ليذكّر العالم بأن الصحراء ليست “قضية من الماضي”، بل جرح مفتوح في جسد إفريقيا.
أوروبا وإسبانيا.. ازدواجية المعايير باسم “الاستقرار”
في الوقت الذي تتحدث فيه أوروبا عن “احترام القانون الدولي”، تبرم اتفاقيات تجارية مع المغرب تشمل منتجات وموارد قادمة من الإقليم المحتل، في انتهاك صريح لأحكام محكمة العدل الأوروبية في أعوام 2016 و2018 و2021، التي أكدت أن أي اتفاق لا يحظى بموافقة الشعب الصحراوي باطل قانونًا.
إسبانيا تحديدًا تتحمل مسؤولية مزدوجة: فهي الوريث القانوني للاستعمار، لكنها تتصرف كما لو أنها تخلّصت من هذا العبء. وجاء الموقف الأخير لحكومة بيدرو سانشيز — حين وصف “مبادرة الحكم الذاتي” المغربية بأنها “الخيار الأكثر جدية وواقعية” — ليشكل انحرافًا أخلاقيًا وانقلابًا على الشرعية الدولية. لقد استبدلت مدريد التزامها التاريخي بتوازن سياسي هشّ تحكمه المصالح والابتزازات المغربية بملفات الهجرة والطاقة.
مأزق الأخلاق والسياسة
إن من يبرر الاحتلال باسم “الواقعية السياسية” إنما يفتح الباب أمام شرعنة الاستعمار بأسلوب جديد. فالحل لا يمكن أن يكون عبر “حكم ذاتي” يفرضه الطرف المحتل على الطرف الخاضع، بل عبر استفتاء حر ونزيه تحت إشراف الأمم المتحدة، كما نصّت عليه قراراتها منذ أكثر من نصف قرن.
الواقعية الحقيقية هي الاعتراف بأن الاحتلال لا يمنح شرعية، وأن الحق لا يسقط بالتقادم.
الجزائر.. الصوت الثابت في زمن الانحرافات
منذ البداية، وقفت الجزائر بوضوح إلى جانب مبدأ تقرير المصير، لا من منطلق العداء لأي طرف، بل وفاءً لتاريخها التحرري ومبادئ ثورتها المجيدة. فهي تعرف جيدًا أن الحرية لا تُمنح بالوصاية، بل تُنتزع بالمقاومة والإصرار.
وبينما يتسابق بعض الأطراف لتطبيع الاحتلال باسم المصالح، تتمسك الجزائر بمبدأ العدالة الدولية، وتدعو إلى مفاوضات مباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو على أساس قرارات الأمم المتحدة.
خمسون سنة من اللجوء والصمت الدولي
بعد مرور نصف قرن على مسرحية “المسيرة الخضراء”، ما زال الشعب الصحراوي منقسمًا بين الاحتلال والمنفى والمقاومة. أرضه محاطة بجدار طوله 2700 كيلومتر مزروع بملايين الألغام، وثرواته تُنهب في وضح النهار، وصوته يُكمّم في المحافل الدولية.
ستة أمناء عامين للأمم المتحدة، وثمانية مبعوثين خاصين، وتسعة رؤساء أمريكيين، وستة رؤساء فرنسيين، وثلاثة رؤساء حكومات إسبانية تناوبوا على إدارة الأزمة — لكن أحدًا لم يقترب من جوهرها: الاعتراف بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
التاريخ لا ينسى
اليوم، بعد مرور خمسين عامًا، لم تغلق “المسيرة الخضراء” المزعومة ملف الصحراء، بل فتحت جرحًا ما زال ينزف. فالديْن الذي على إسبانيا — كقوة استعمارية سابقة ومسؤولة قانونيًا — لم يُسدّد بعد، ولن يُمحى بصمت الحكومات ولا بتواطؤ المصالح.
العدالة في الصحراء الغربية ليست مطلبًا سياسيًا، بل اختبارٌ حقيقي لضمير الإنسانية.
فإما أن تنتصر الشرعية الدولية… أو تنتصر شريعة القوة.
