منذ خمسين عامًا، والعالم يشاهد مأساة الصحراء الغربية كمن يشاهد فيلمًا مملًا يعرف نهايته سلفًا، لكنه يصرّ على التصفيق في كل مشهد. الأمم المتحدة، التي وُجدت لتصون حق الشعوب في تقرير مصيرها، تحوّلت إلى راعية للاحتلال، تدير الزمن بدل أن تحسم الموقف، وتوزّع بيانات الحياد على مقاس مصالح الكبار. والمخزن المغربي، بخبثه السياسي المعهود، يحوّل فشله الأممي الذريع إلى واقع دبلوماسي مفروض بهيمنة الولايات المتحدة، ويسعى إلى إقناع العالم بأن “الضمّ” هو “حلّ”، وأن “الاحتلال” هو “تنمية”.
تصريحات آنا ثيوفيلوبولو، المسؤولة الأممية السابقة عن ملف الصحراء، ليست مجرّد رأي شخصي، بل شهادة دامغة من داخل النظام الأممي نفسه. لقد قالتها بوضوح: الأمم المتحدة لم تكن محايدة، والمغرب لم يكن صادقًا، وإسبانيا خانت التزاماتها. كل كلمة في هذه الجملة كفيلة بأن تهزّ ضمير العالم الحر لو بقي فيه بقية ضمير. لكن من يسمع؟ العالم اليوم لا يرى إلا من خلال عائدات الفوسفات، وأنابيب الغاز، واتفاقات الصيد البحري، ومشاريع الطاقة التي تُبنى على رمال الاحتلال.
المنظومة الدولية، التي جعلت من تقرير المصير شعارًا مقدّسًا في تيمور الشرقية وكوسوفو وجنوب السودان، تمارس في الصحراء الغربية سياسة الكيل بمكيالين. هي تغضّ الطرف عن جدار العار، وعن آلاف المفقودين، وعن مدن تُمسح هويتها بالأعلام المغربية، وتكتفي بمراقبة شكلية عبر بعثة لا تمتلك حتى صلاحية مراقبة حقوق الإنسان. بعثة مينورسو التي كان يفترض أن تنظم استفتاء تقرير المصير أصبحت رمزًا للسخرية السياسية: أكبر بعثة أممية في العالم دون مهمة حقيقية، وجيش من الموظفين يقتات على أموال الأمم المتحدة ليحرس الصمت.
أما المخزن، فقد مارس خبثه القديم وجعل “الوطنية” مرادفًا للولاء، و”الوحدة الترابية” شعارًا يُرفع لتبرير القمع وإسكات المعارضين. باسم الصحراء، تُكمَّم الأفواه، وتُغلق الجرائد، ويُعتقل النشطاء، وتُصرف المليارات على الدعاية واللوبيات في واشنطن وباريس. باسم “الصحراء المغربية” المزعومة تُصادر الديمقراطية في المغرب، ويُطلب من الشعب أن يصفّق بينما تُنهب ثرواته ويُستعبد صوته. لم تعد القضية بالنسبة للمخزن قضية أرض وشعب، بل أداة سلطة، وعملة سياسية، وبطاقة ضغط في صفقات التطبيع والأمن والهجرة.
إسبانيا، المستعمر السابق، باعت الشعب الصحراوي أكثر من مرة. باعتهم أولاً في اتفاقية مدريد سنة 1975، ثم باعتهم ثانية في صمتها على القمع، وثالثة حين لحست قرار محكمة العدل الأوروبية وقرّرت دعم “الحكم الذاتي” تحت ضغط الغاز والمخدرات والابتزاز الدبلوماسي. هكذا تتحول السياسة الأوروبية إلى سوق مفتوح للصفقات، حيث تُشترى المواقف بالأمن وتُباع القيم بثمن بخس.
وفي قلب كل هذا العبث، يقف الشعب الصحراوي، صامدًا في المخيمات وفي الأراضي المحتلة، يرفع علمه بيد، ويحمل ذاكرته باليد الأخرى. شعب وُعد بالحرية ثم تُرك في صحراء النسيان، بين حدود مغلقة وأمم عاجزة. ومع ذلك، لم يتنازل، ولم ينسَ، ولم يبع نفسه للمخزن ولا للمصالح الدولية. كل يوم في تندوف هو درس في الكرامة، وكل مظاهرة في العيون هي تذكير بأن الاحتلال مهما طال، لا يمنح الشرعية بل يفضحها.
الذين يظنون أن الزمن كفيل بطمس القضية، يجهلون أن الذاكرة لا تموت. تصريحات آنا ثيوفيلوبولو جاءت لتقول إن الحقيقة ما زالت هناك، تحت الركام، تنتظر من يرفع عنها الغبار. فالقضية ليست نزاعًا حدوديًا كما يروّج المخزن، بل قضية شعب يُطالب بحقه المشروع. ليست مسألة “تنمية” كما يقول المتواطئون، بل مسألة حرية وكرامة وهوية.
اليوم، بعد نصف قرن من التلاعب، لا بد من قولها بصوت عالٍ: الأمم المتحدة فشلت، والمخزن يخادع الجميع، وإسبانيا تواطأت، وأوروبا صمتت. لكن الشعب الصحراوي لم يُهزم، لأنه يملك ما لا تملكه تلك الأنظمة: الإيمان بعدالة قضيته.
ومهما طال الليل، ستشرق شمس الاستقلال من فوق الكركرات، لا بإذن مجلس الأمن، بل بإرادة الذين آمنوا أن الحرية لا تُستجدى، بل تُنتزع.
