الجمعة 10 أفريل 2026

الصمود الإيراني: مقوماته وآفاقه… إرادة شعب تتجاوز منطق القوة… بقلم: د. هناء سعادة

نُشر في:
بقلم: د. هناء سعادة
الصمود الإيراني: مقوماته وآفاقه… إرادة شعب تتجاوز منطق القوة… بقلم: د. هناء سعادة

دخل العدوان الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية شهره الأول، وفي ظلّ كثافة القصف وجسامة الخسائر في الأرواح والمنشآت، لم يتمكن المعتدون من تحقيق الأهداف التي أعلنوا عنها قبيل اندلاع المواجهة.

ورغم فقدان إيران شخصيات قيادية بارزة، فإن بنية الدولة لم تتصدّع، ولم تنزلق البلاد إلى الفوضى، بل على العكس، أظهرت تماسكا لافتا على مستوى المؤسسات، وتحوّلت الشوارع إلى فضاءات تعبير عن التلاحم الوطني، حيث خرجت الجماهير دفاعا عن السيادة وصونا للكرامة الوطنية.

قبيل العدوان، استجمع الرئيس الأمريكي كل أدوات التهديد، واستحضر خطابا تصعيديا قائما على الوعيد والضغط النفسي، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تراجع القيادة الإيرانية أو إلى انفجار داخلي يُفضي إلى إضعاف النظام. غير أن تلك الحسابات سقطت أمام واقع مغاير، تجلّى في ثبات الموقف الإيراني، الأمر الذي أثار دهشة صانع القرار الأمريكي، الذي وجد نفسه أمام معادلة لم ينجح في تفكيكها: لماذا لم يستسلم الإيرانيون؟

هذا السؤال يتجاوز الإطار العسكري ليطال بنية الوعي الجمعي للشعوب. فالصمود الإيراني لا يمكن تفسيره فقط بموازين القوة التقليدية، بل يرتبط بطاقة كامنة في الإنسان حين يتشبّث بحريته ويُعيد تعريف وجوده من خلال الكرامة والسيادة. تلك الطاقة التي يغفل عنها من ينظر إلى العالم من زاوية الهيمنة وحدها، هي التي تحوّل التهديد إلى دافع، والخطر إلى حافز للاستمرار.

لقد تشكّلت هذه الروحية عبر مسار تاريخي ممتد منذ قيام الثورة الإسلامية، حيث جرى الاستثمار في بناء وعي جماعي قائم على رفض الخضوع ومقاومة الهيمنة، وترسيخ معاني التضحية في سبيل المبادئ الكبرى. لم يكن ذلك مجرد خطاب نظري، بل تُرجم إلى ممارسات متراكمة عززت لدى المجتمع الإيراني مناعة داخلية في مواجهة الضغوط الخارجية، وجعلت من فكرة الصمود خيارا وجوديا لا تكتيكا ظرفيا.

إنّ عدم الخوف من الموت، كما يتجلى في هذا السياق، لا يعكس نزعة عدميّة، بل يعبر عن تمسّك أعمق بمعنى الحياة، باعتبارها فضاءً تتحقق فيه الحرية والكرامة. فالحياة، في هذا التصور، لا تختزل في البقاء البيولوجي، بل تُقاس بقدرة الإنسان على الدفاع عن قيمه، وعلى رفض الإذعان حين يُفرض عليه.

وتكتسب الرمزية السياسية في هذا السياق دلالات خاصة، حيث تعكس مواقف القيادة، من خلال حضورها العلني ومشاركتها في الفضاء العام رغم التهديدات، انسجاما مع هذا التصور الذي يربط بين القيادة والمصير الجماعي، ويؤكد أن المواجهة ليست خيارا مفروضا فحسب، بل موقفا واعيا يُترجم في السلوك السياسي والميداني.

أما على مستوى الآفاق، فإن هذا الصمود، بما يحمله من مقومات، يضع حدودا واضحة لإمكانية فرض الاستسلام عبر القوة العسكرية. فالتفوق التكنولوجي، رغم تأثيره، لا يكفي لإخضاع شعب يرى في مقاومته امتدادا لهويته. كما أن كلفة الحرب، بما تحمله من أبعاد بشرية ومادية، لا تفضي بالضرورة إلى الانكسار، بل قد تتحول إلى عامل تعبئة إضافي يعزز من تماسك الجبهة الداخلية.

وفي المقابل، تبدو قدرة المعتدين على تحمّل تبعات هذا الصراع موضع اختبار، سواء على مستوى الرأي العام الداخلي أو في علاقاتهم مع الحلفاء، خاصة حين تتضح محدودية النتائج مقارنة بحجم الكلفة. وفي مثل هذه السياقات، تبرز ملامح تحوّل تدريجي نحو البحث عن مخارج سياسية، تفرضها معادلات الميدان كما يفرضها ضغط الزمن.

قد تنتهي المواجهة بصيغ مختلفة، بين تهدئة مؤقتة أو تسوية مرحلية، غير أن ما أفرزته من تحولات في موازين الإدراك الاستراتيجي سيبقى قائما. فالشعوب التي تختبر قدرتها على الصمود، وتكتشف في ذاتها مصادر قوة غير تقليدية، لا تعود إلى ما كانت عليه.

في هذا المعنى، يتجاوز الصمود الإيراني كونه رد فعل على عدوان، ليغدو تعبيرا عن إرادة تاريخية تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين القوة والحق، وبين الهيمنة والسيادة، في عالم لم تعد فيه المعادلات القديمة قادرة على تفسير ما يجري أو التحكم في مآلاته.
 

رابط دائم : https://dzair.cc/lit3 نسخ

اقرأ أيضًا