الأربعاء 21 جانفي 2026

“الفاف” تُخرس أبواق المخزن وتُكرّم المناصر الكونغولي وتعيد إبراز مواقف الجزائر تجاه زعيم النضال الإفريقي لومومبا.. بقلم معمر قاني

نُشر في:
بقلم: معمر قاني
“الفاف” تُخرس أبواق المخزن وتُكرّم المناصر الكونغولي وتعيد إبراز مواقف الجزائر تجاه زعيم النضال الإفريقي لومومبا.. بقلم معمر قاني

بدأت القصة كما تبدأ أشياء كثيرة في زمن الصورة: بلقطة عابرة.

ملعب، ضجيج، مباراة مشحونة بين الجزائر والكونغو الديمقراطية، لاعب جزائري هو محمد الأمين عمورة، يقترب من المدرجات.. مشجّع كونغولي يلفت الانتباه، لا بصراخه، بل بما يحمله: اسم باتريس لومومبا، الرمز الإفريقي الذي لا يمرّ حضوره مرورًا عاديًا. لحظة تفاعل إنساني سريعة، غير محسوبة بدقة الكاميرات، لكنها كافية لأن تُنتزع من سياقها وتُلقى في طاحونة التأويل المغرض والخبيث من قبل أبواق وذباب المخزن.

وخلال ساعات، لم تعد اللقطة رياضية إنسانية بعد أن تحوّلت إلى حملة شعواء ضدّ الجزائر.

من لقطة إلى حملة

في الضفة الأخرى من الحدود، اشتغلت آلة معروفة، منابر مألوفة، حسابات تتكاثر فجأة في مستنقعات وسائل التواصل الاجتماعي كما الضفادع، عناوين متشابهة النبرة، لم يكن الهدف فهم ما حدث، بل استثماره واستغلاله أبشع استغلال: قيل الكثير من الأكاذيب والزيف الذي يجتمع حول فكرة خبيثة واحدة: إن اللاعب الجزائري أساء، وإن الجزائر لا تحترم “رموز إفريقيا”، وإن اسم لومومبا أُهين. لم يكن الاتهام موجّهًا لعمورة وحده، بل لبلد بأكمله.. وهكذا خرجة اللقطة العفوية عن سياقها الرياضي والإنساني لتصبّها أبواق المخزن في مجاريها النتنة.

لم يُسأل المشجّع الكونغولي ميشيل نكوكا مبولادينجا، عمّا شعر به.. لم يُستفسر اللاعب محمد الأمين عمورة عمّا قصد، فقد كان الحُكم جاهزًا، والنية الخبيثة أقدم من اللقطة نفسها.

الاعتذار الذي لم يُورِدوه بعد افتضاح أكاذيبهم

وسط هذا الضجيج واللغط المفتعل والمليء بالأكاذيب، اختار عمورة طريقًا بسيطًا وسهلا مثل عقليته المتواضعة وسمته النبيل، خلقٌ من ذهب نادرٌ في زمن الاستعراض والشهرة الوهمية: الاعتذار.
لم يكن اعتذاره عن ضعف، بل اعتذار ينطلق من وعي وتفهّم للموقف الإنساني.. أكّد فيه عمورة احترامه للمناصر الكونغولي، وتقديره لرمزية لومومبا، موضحًا أن ما جرى لم يكن إساءة مقصودة، وأنه يكنّ كل الاحترام لتاريخ الشعوب الإفريقية ونضالاتها.

لكن الاعتذار لم يوقف الحملة.
لأن المشكلة لم تكن في اللقطة، ولا في الكلمات، بل في الفرصة التي وجدتها أطراف مدفوعة من قبل المخزن لإعادة تدوير خطابها المعادي للجزائر، ولو على حساب اسم بحجم لومومبا.

حين تدخلت الاتحادية الجزائرية لكرة القدم.. وخرست الأبواق الناعقة

عند هذه النقطة، تغيّر مسار القصة.

لم تُجب الاتحادية الجزائرية لكرة القدم بالبيانات الانفعالية، ولا بالدخول في سجال إعلامي عقيم، اختارت الفعل. رئيسُها، وليد صادي، قطع الطريق على التأويل بدعوة المشجّع الكونغولي ميشيل نكوكا مبولادينجا، المعروف بحضوره الدائم في مباريات منتخب بلاده وبحرصه على إبراز صورة باتريس لومومبا في جسده وبحركاته القليلة ورمزية سكونه الطويل الذي أثار الفضول بعد أن لفت الانتباه وشدّ إليه الأنظار.

جاء ميشيل إلى فندق المنتخب الوطني لا كمُتهم ولا كأداة تلميع، بل كضيف مُكرَّم، استُقبل، واحتُفي به، في رسالة أوضح من كل المقالات وأبلغ من جميع الأقوال:
هكذا تحترم الجزائر رموز النضال الإفريقي، وهكذا تُدار الخلافات.. بعيداً عن صخب الحملات المغرضة.

في تلك اللحظة، خفتت الأصوات.
الأبواق التي كانت تصرخ زيفاً باسم لومومبا وجدت نفسها فجأة بلا صدى.
لأن الحقيقة، حين تُعرض بهدوء، تُربك الكذب.

لومومبا.. الاسم الذي لا يُستعمل ضدّ الجزائر

المناصر الكونغولي ميشيل نكوكا مبولادينجا لم يكن يحمل اسم لومومبا للزينة، كان يردده في الملاعب لأن الرجل يمثّل له — وللكثير من الأفارقة بما فيهم الجزائريين — كرامة قارة بأكملها، والجزائر تعرف هذا جيدًا.

باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء منتخب للكونغو المستقلة، لم يُغتل لأنه أخطأ، بل لأنه تجرأ.. تجرأ على أن يقول إن إفريقيا ليست حديقة خلفية، وإن الاستقلال ليس علمًا يُرفع بل سيادة تُمارس، فدفع ثمن ذلك حياته. اعتُقل، عُذّب، أُعدم، ثم قُطّعت جثته في واحدة من أبشع الجرائم السياسية في القرن العشرين.

في الجزائر، لا يُذكر لومومبا كاسم عابر.. تُسمّى باسمه شوارع وساحات ويُدرَّس نضاله كجزء من تاريخ التحرر الإفريقي المشترك، ويُنظر إليه كأخ في النضال سقط في المعركة نفسها وفي الساحة نفسها التي كانت الجزائر تكافح فيها المستعمر ذاته، وإن اختلفت الجغرافيا.

النهاية التي لم يتوقعوها

هكذا انتهت القصة، لا بضجيج، بل بانكشاف فاضح لأبواق لطالما نعقت ونبحت خلف غبار قافلة الجزائر.

لقطة أرادوا منها تشويه بلد كبير، تحولت إلى درس في الأخلاق السياسية.
حملة مغرضة أرادوا بها المساس بصورة الجزائر الناصعة والمشرّفة، انقلبت إلى شهادة جديدة على ثبات موقفها الإفريقي من قبل الجميع، إلا هم طبعاً، فهم لن يعترفوا بهزيمتهم، لكنهم يعودون إل جحورهم بعد أن تُفحمهم الجزائر.
واسم لومومبا، الذي حاولوا توظيفه ضد الجزائر، عاد ليقف في مكانه الطبيعي: رمزًا لا يُدنّس ولا يُستغل.

أما الجزائر، فخرجت من العاصفة كما اعتادت: هادئة، واضحة، ومتصالحة مع تاريخ تعرفه جيدًا.. ولا تحتاج إلى شهادة من أبواق عابرة.

رابط دائم : https://dzair.cc/qvfc نسخ

اقرأ أيضًا