في مشهدٍ يتجاوز حدود الصورة إلى دلالاتها السياسية والرمزية، جاءت الرشقة الصاروخية الإيرانية الأخيرة لتُضيف طبقة جديدة إلى معادلة المواجهة مع الكيان الصهيوني، فيما بدا ردًّا إيرانيًا يصرّ على تحويل الضغط العسكري إلى رسالة سياسية مفتوحة.
وفي أعقاب الإعلان الإيراني عن موجة جديدة من عملية “الوعد الصادق 4” إهداءً للسيد حسن نصر الله والشيخ أحمد ياسين، نشرت كتائب القسام صورة جمعت الشهيد أحمد ياسين مع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في إشارةٍ مكثفة إلى وحدة المسار بين فلسطين ومحور المقاومة.
وقد تزامن ذلك مع دويّ صفارات الإنذار في شمال الأراضي المحتلة، فيما أفادت تقارير دولية بأن إيران واصلت إطلاق صواريخ بقدرات انشطارية أربكت منظومة الاعتراض الصهيونية وأعادت طرح سؤال الكلفة على الطاولة.
ولم تكن هذه اللحظة عابرة في سياقٍ منفصل، بل جاءت امتدادًا طبيعيًا لمسار طويل من الدعم الإيراني لفلسطين، بدأ مع الثورة الإسلامية عام 1979 حين شرعت طهران في بناء شبكة من الحلفاء والشركاء في المنطقة على قاعدة رفض الهيمنة الغربية ومواجهة المشروع الصهيوني.
وتؤكد التقارير الغربية قبل العربية على غرار رويترز أن دعم الفلسطينيين ظلّ أولوية في السياسة الخارجية الإيرانية، وأن طهران قدّمت دعمًا ماليًا ومعنويًا وعسكريًا لفصائل فلسطينية مقاومة وفي مقدمتها حماس، ضمن تصور يعتبر فلسطين عنوانًا مركزيًا في الصراع مع الاستكبار لا ملفًا هامشيًا في السياسة الإقليمية. كما نقلت رويترز لقاءات الشهيد علي خامنئي بقيادات حماس في طهران.
ومن هنا، فإن استحضار القسام للشهيد أحمد ياسين مع الإمام الشهيد خامنئي ليس تفصيلًا بصريًا بقدر ما هو بيان سياسي مكثف: أحمد ياسين، بوصفه مثلًا أعلى في الوعي المقاوم الفلسطيني، يقف في الصورة ذاتها مع رمزٍ إيراني ارتبط اسمه منذ عقود بدعم فلسطين وتكريس خطاب المناهضة للكيان الصهيوني. وهذه الرمزية تكتسب معناها الأعمق حين تُقرأ على خلفية ما وثقته تقارير دولية من استمرار إيران في اعتبار نصرة الفلسطينيين جزءًا ثابتًا من عقيدتها الدينية والسياسية، لا مجرد ورقة ظرفية تُستعمل عند الحاجة.
وعلى الأرض، لم تتوقف الرسالة الإيرانية عند الرمز، بل تُرجمت إلى صلية نار أصابت الشمال والعمق في الأراضي المحتلة، وأدخلت صفارات الإنذار إلى عكا وحيفا وصفد والكريوت وغيرها من المناطق، في حين تحدثت تقارير عن استخدام صواريخ ذات رؤوس انشطارية، وهو ما يزيد من تعقيد مهمة الدفاع الصهيوني الذي يواجه صعوبة متزايدة في اعتراض هذا النمط من الهجمات قبل تفتت الرؤوس الحربية وتوزع شظاياها. وقد أقرّت رويترز بأن إيران أطلقت منذ بداية الحرب عشرات الصواريخ المزودة بذخائر عنقودية، وأن هذا النوع من السلاح يمثل تحديًا إضافيًا للمنظومة الدفاعية الصهيونية.
ولئن حاولت وسائل الإعلام العبرية التقليل من وقع بعض الضربات عبر الحديث عن “منطقة مفتوحة” أو “اعتراض ناجح”، فإن تراكم الوقائع يكشف أن الكيان الصهيوني يواجه مأزقًا مزدوجًا: مأزقًا ميدانيًا يتمثل في عجزٍ متكرر عن تحييد الصليات الإيرانية بالكامل، ومأزقًا معنويًا يتجلى في تضييق مساحة الاعتراف بالخسائر. وفي المقابل، تبدو إيران، بما راكمته منذ الثورة الإسلامية من خطابٍ تعبويّ وعقيدةٍ سياسية داعمة للمقاومة، قادرة على توظيف الضربات بوصفها أداةً لإعادة تثبيت المعادلة لا مجرد ردٍّ عابر على العدوان.
إن ما يجري اليوم يختصر أكثر من مواجهة عسكرية؛ إنه انكشافٌ متدرج لحدود القوة الصهيونية حين تصطدم بإرادةٍ إيرانية لا تتعامل مع فلسطين كملف جانبي، بل كجزء من تعريفها لنفسها وللدور الذي اختارته منذ 1979. لذلك، فإن الصورة التي جمعت الشهيدين أحمد ياسين وخامنئي، والرشقة التي دوّت فوق الشمال المحتل، ليستا حدثين منفصلين، بل وجهين لحقيقة واحدة: إيران التي ساندت فلسطين منذ الثورة الإسلامية ما زالت تكتب، بالنار والرمز معًا، أن هذا المسار لم ولن ينقطع.
