في مشهدٍ يعكس مقدار الارتباك الذي يضرب بنية الكيان الصهيوني تحت وقع الضربات الإيرانية، أثارت حادثة رفض وزير التعليم الصهيوني، يوآف كيش، فتح ملجأ منزله أمام مواطنين هرعوا إلى بابه طلبًا للحماية أثناء صفارات الإنذار، موجةً واسعة من الجدل والسخرية والانتقاد داخل الفضاء الصهيوني نفسه. فالواقعة، التي جرت في هود هشارون قرب تل أبيب، لم تكن مجرد حادث عابر، بل بدت كأنها صورة مكثفة عن انهيار القيم السياسية والأخلاقية لدى منظومة اعتادت أن تتحدث باسم الأمن، بينما تعجز عن توفيره حتى في أكثر لحظات الخطر.
وبحسب ما نُقل من موقع الحادث، فقد طرق أشخاص باب منزل الوزير طالبين اللجوء إلى الملجأ مع تواصل دويّ الإنذارات، فقال أحدهم إن الصواريخ قادمة من إيران، وإنه معلم يبحث عن مأوى. كما خاطبه آخرون بعباراتٍ مباشرة، محملين حكومته مسؤولية العدوان الذي جلب عليهم هذا الخطر، ومطالبين إياه بأن يحميهم بدل أن يتركهم في العراء. لكن الوزير اختار أن يغلق الباب في وجوههم، وأن يصف فعلتهم بـ”الاستفزازية” و”المتجاوزة للخطوط الحمراء”، مضيفًا أنهم كان لديهم الوقت الكافي للوصول إلى ملجأ قريب.
هذا الرد لم يمرّ كحادثة بروتوكولية، بل تحوّل إلى مادة إضافية في سجل طويل من الانكشاف الأخلاقي للقيادات الصهيونية، التي تسارع إلى التشدّد في الداخل، فيما تعجز عن تقديم الحد الأدنى من التضامن مع الناس الذين يواجهون ارتدادات حربٍ لم يختاروها. وفي تصريح لاحق، عاد الوزير ليؤكد أن من قصدوا منزله كان لديهم ثماني دقائق للوصول إلى ملجأ آخر، في محاولة لتبرير موقفه عبر لغةٍ إدارية باردة لا تخفي جوهر الموقف: إن الباب أُغلق، والناس تُركوا وحدهم أمام الخطر.
أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، فقد جاء تعليقه ليضيف طبقة أخرى من الفجاجة السياسية، حين سارع إلى الدفاع عن كيش، واعتبر ما جرى جزءًا من “عنف غير منضبط” ضد الوزراء وعائلاتهم. لكن المفارقة الفادحة تكمن في أن الخطاب الصهيوني، وهو يتباكى على “العنف” الموجّه إليه، يتغاضى عن حقيقة أن هذا العنف إنما هو نتاج مباشر لسياسات العدوان، ولسنواتٍ من الاستفزاز والقصف والاحتلال والتوسع، التي صنعت واقعًا لا يمكن فصل نتائجه عن أسبابه.
إن ما يكشفه هذا المشهد ليس مجرد توتر اجتماعي، بل خلل بنيوي في أخلاق السلطة داخل الكيان الصهيوني. فالمسؤول الذي يفترض أن يكون في مقدمة من يطمئنون الناس، اختار أن يتحصن داخل ملجئه الخاص، وأن يقابل الخوف الشعبي بالازدراء. والسياسي الذي يفترض أن يلتفت إلى المعاناة، انشغل بتضخيم “الانتهاك” الذي تعرّض له الوزير بدل أن يسائل الدولة التي أوصلت المجتمع إلى هذا المستوى من الهلع والارتياب.
وفي مقابل هذه الصورة القاتمة، يبرز التباين الصارخ مع ما جرى ويجري في إيران، حيث ظهر القادة الإيرانيون في أكثر من مناسبة بين الناس، في الشوارع والساحات، لا خلف الجدران، ولا فوق حصونٍ مغلقة، بل في قلب المشهد الشعبي، متحدين التهديدات، ومؤكدين أن القيادة ليست امتيازًا في زمن الرخاء، بل مسؤولية في زمن المحنة. وهذا الفارق لا يتعلق بالشكل فقط، بل بالمنظومة السياسية نفسها: هناك قيادة تُخفي نفسها حين تشتد الأزمة، وهنا قيادة تُواجه شعبها وتشاركُه العبء والرمز والمصير.
ولهذا فإن الحادثة، على بساطتها الظاهرية، تعيد إظهار الفارق بين كيانٍ يطلب من الناس الاحتماء بعيدًا عنه، وبين قيادةٍ تعتبر نفسها جزءًا من شعبها، تتحرك معه، وتحت التهديد ذاته، وتمنح الناس معنى الصمود بدل أن تكتفي بإصدار التعليمات من خلف الأبواب المغلقة.
إن الكيان الصهيوني، وهو يواجه صواريخ إيران، لا يُعرّي فقط هشاشة منظومته الدفاعية، بل يكشف أيضًا ضآلة قادته أمام امتحان المسؤولية. أما إيران، فتبقى نموذجًا مختلفًا في معنى القيادة والالتحام مع الناس، حيث لا يُطلب من الشعب أن يواجه وحده، ولا يُترك في العراء بينما المسؤولون يختبئون في ملاجئهم الخاصة.
وهنا تحديدًا، تتكشف الفجوة بين من يصنعون الخوف ومن يصنعون الصمود.
