دخل الأمن المائي في المغرب منعطفاً خطيراً، بعدما كشفت تقارير نقابية عن مخططات حكومية “مريبة” تهدف لتفكيك المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (ONEE) وتحويله إلى شركة مساهمة خاضعة لقوانين السوق. هذا التوجه الذي يُدار في “غرف مظلمة” بعيداً عن الرقابة الشعبية، يهدد بخوصصة قطاع الإنتاج بالكامل، ورهن المادة الحيوية الأكثر استراتيجية في البلاد لمصالح الشركات الخاصة والمناولة، في طعنة غادرة لمبدأ “عمومية الماء” وحقوق آلاف الشغيلة.
تحت غطاء “ماكينزي”: هندسة التصفية وتهميش الشغيلة
تجري عملية التفكيك تحت إشراف مباشر من مكتب الدراسات الأجنبي ماكينزي “McKinsey”، الذي كلفته سلطات المخزن برسم خارطة طريق لتحويل المكتب الوطني إلى “شركة مساهمة”. والمثير للاستياء هو التكتم الممنهج على نتائج هذه الدراسة وتغييب الشغيلة والمواطنين عن تفاصيلها، مما يؤكد أن الهدف ليس “الإصلاح”، بل التصفية التدريجية للأدوار التاريخية للمكتب الوطني. وحذرت الجامعة الوطنية للماء الصالح للشرب “نقابة” بالمغرب من أن تغييب قنوات الحوار وتجميد “لجنة المقاولة” يكشف بوضوح عن رغبة المخزن في فرض “الأمر الواقع” بعيداً عن أي ممانعة نقابية.
زحف المناولة: حين يُفوض أمن الماء لشركات الربح السريع
لم تعد الخوصصة مجرد فرضية، بل باتت واقعاً ميدانياً من خلال وقف التوظيف وتوسيع نطاق شركات المناولة لتشمل مهاماً حساسة كالصيانة، والاستغلال، وحتى مراقبة جودة الماء ونقل المواد الكيميائية. وكشفت ذات النقابة أنّ تمرير محطات بكاملها لشركات خاصة يضع سلامة وصحة المغاربة في كفة الميزان مقابل الأرباح، ويحوّل الكفاءات المغربية داخل المكتب إلى مجرد عمال مناولة فاقدين للضمانات المهنية والحقوق المكتسبة، وسط ضغوط غير مسبوقة لإجبارهم على التخلي عن مهامهم.
الشركات الجهوية: فخ جديد لهضم الحقوق
الواقع القاتم يمتد إلى “الشركات الجهوية متعددة الخدمات” التي بدأت فعلياً في التراجع عن الالتزامات الاجتماعية والحقوق المكتسبة للمستخدمين، بدعوى “الصعوبات المالية”. هذا التراجع يثبت أن مشروع “الخوصصة الجهوية” ليس سوى وسيلة لتملص سلطات المخزن من الأعباء الاجتماعية وإلقاء تبعات “الفشل الإداري” على كاهل الأجراء والمواطنين المغاربة. وتؤكد الجامعة الوطنية أن حالة الاحتقان التي تعيشها الشغيلة اليوم هي نتاج طبيعي لسياسة “الهروب إلى الأمام” التي تنهجها وزارة الداخلية والجهات الوصية.
ويؤشّر هذا الملف المتفجر إلى أن المخزن قرر رفع يده عن قطاع المياه في المغرب، تاركاً المواطن المغربي تحت رحمة “لوبيات” الشركات الخاصة. إن تفكيك المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب هو إعلان رسمي عن نهاية الدولة الراعية وبداية عصر سمسرة المرفق العمومي” والرسالة اليوم واضحة: إذا لم يتم لجم هذا التوجه وفتح نقاش شفاف يحفظ عمومية المياه للشعب المغربي، فإن البلاد تتجه نحو عطش اجتماعي ومهني لن تطفئه الوعود الحكومية الجوفاء ولا الدراسات الأجنبية المستوردة.
