الثلاثاء 21 أفريل 2026

المياه في الجزائر: من ندرة تهدد الأمن إلى ثروة تصنع السيادة والوظائف… بقلم الخبير الاقتصادي الدكتور الهواري تيغرسي

نُشر في:
بقلم: الخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي
المياه في الجزائر: من ندرة تهدد الأمن إلى ثروة تصنع السيادة والوظائف… بقلم الخبير الاقتصادي الدكتور الهواري تيغرسي

في عالمٍ تتراجع فيه يقينيات الموارد وتتصاعد فيه رهانات المناخ، لم تعد المياه مجرد عنصر طبيعي، بل تحولت إلى معيار حاسم لقوة الدول واستقرارها الاقتصادي. ومع اقتراب إطلاق مبادرة “Water Forward” ضمن اجتماعات الربيع 2026 للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، يتكرّس توجه عالمي جديد: المياه ليست أزمة تُدار، بل فرصة تُستثمر.

في هذا السياق، تقف الجزائر عند مفترق طرق حاسم؛ بين واقع مائي ضاغط يفرض تحديات معقدة، وإمكانات كامنة قادرة—إن أُحسن توظيفها—على تحويل هذا المورد النادر إلى محرك للنمو ورافعة للسيادة الاقتصادية.

الماء… الاقتصاد الخفي الذي يصنع المستقبل

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن ما يقارب 1.7 مليار وظيفة حول العالم ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالمياه. هذه الأرقام تكشف حقيقة غالبًا ما تُغفل: الماء ليس قطاعًا معزولًا، بل بنية تحتية عابرة لكل القطاعات.

فمن الزراعة إلى الصناعة، ومن الطاقة إلى الخدمات، يشكل الماء العمود الفقري للإنتاج. وبالتالي، فإن أي خلل في إدارته لا يؤدي فقط إلى أزمة موارد، بل إلى تباطؤ اقتصادي وفقدان فرص عمل.

الجزائر… ضغط الندرة وفرصة التحول

بأقل من 500 متر مكعب للفرد سنويًا، تدخل الجزائر دائرة الفقر المائي، في وقت يتزايد فيه الطلب بوتيرة متسارعة بفعل النمو السكاني والتوسع الاقتصادي. غير أن التحدي لا يكمن فقط في محدودية الموارد، بل في طريقة إدارتها وتوزيعها.

حين تتحول كل قطرة إلى إنتاج

القطاع الفلاحي، باعتباره المستهلك الأكبر للمياه، يمثل في الوقت ذاته أكبر فرصة للإصلاح. فالانتقال إلى أنظمة ري ذكية، وتبني التكنولوجيا الزراعية، يمكن أن يحدث قفزة نوعية:

زيادة الإنتاج، تقليل الهدر، وخلق وظائف جديدة في مجالات الهندسة والتقنيات الحديثة.

إن المعادلة الجديدة لم تعد: “كم نملك من الماء؟”
بل: كم نُنتج من كل متر مكعب؟

تحلية المياه… من حل ظرفي إلى قوة صناعية

استثمار الجزائر في تحلية مياه البحر مكّنها من تعزيز أمنها المائي، لكنه يظل خطوة أولى فقط. التحدي الحقيقي هو الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها، ومن الاعتماد على الخارج إلى بناء صناعة وطنية متكاملة.

وعندما تُربط التحلية بالطاقات المتجددة، تتحول من عبء مالي إلى فرصة اقتصادية، تفتح مجالات واسعة للاستثمار والتشغيل، وتضع الجزائر ضمن معادلة جديدة عنوانها: الماء + الطاقة = سيادة صناعية.

المياه المعالجة… المورد المنسي

في قلب الأزمة، يكمن حل صامت: المياه المستعملة المعالجة. هذا المورد، الذي لا يزال استغلاله محدودًا، يمكن أن يشكل ثروة حقيقية إذا ما تم توجيهه نحو الفلاحة والصناعة.

إن بناء اقتصاد دائري للمياه ليس خيارًا بيئيًا فقط، بل قرار اقتصادي ذكي يقلل التكاليف، يخلق الوظائف، ويعزز الاستدامة.

الرقمنة… ثورة غير مرئية في قطاع المياه

التحول الرقمي يفتح أفقًا جديدًا لإدارة المياه بكفاءة عالية. من العدادات الذكية إلى الذكاء الاصطناعي، يمكن تقليص الهدر، تحسين التوزيع، واتخاذ قرارات مبنية على البيانات.

وفي هذا التحول، لا تصبح المياه مجرد مورد، بل قطاعًا تكنولوجيًا ناشئًا، يخلق وظائف نوعية ويجذب الاستثمارات.

الجزائر أمام لحظة حاسمة

بين استمرار المقاربات التقليدية، أو تبني رؤية شاملة تجعل من المياه قطاعًا اقتصاديًا متكاملًا، يتحدد مستقبل الجزائر المائي والاقتصادي. فالإصلاح لم يعد خيارًا تقنيًا، بل ضرورة استراتيجية تمس الأمن القومي.

إن إدماج القطاع الخاص، تعزيز الحوكمة، ربط المياه بالبحث العلمي، وتبني سياسات تسعير ذكية، كلها مفاتيح لمرحلة جديدة يكون فيها الماء عنصر قوة لا مصدر قلق.

حين تتحول الندرة إلى قوة

في النهاية، لا تقاس قوة الدول بوفرة مواردها، بل بقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص. والجزائر، وهي تواجه معادلة الندرة المائية، تمتلك كل المقومات لتكتب قصة مختلفة.

قصة تتحول فيها كل قطرة ماء إلى قيمة، وكل مشروع مائي إلى فرصة عمل، وكل إصلاح إلى خطوة نحو السيادة.
فالمياه لم تعد فقط مسألة بقاء…

بل أصبحت معركة تنمية، ورهان سيادة، وبوابة نحو اقتصاد المستقبل.

رابط دائم : https://dzair.cc/5xxj نسخ

اقرأ أيضًا