الأحد 19 أفريل 2026

اليامين زروال.. صمت العسكري الذي تكلم لفلسطين… بقلم د. رائد ناجي

نُشر في:
بقلم: د. رائد ناجي
اليامين زروال.. صمت العسكري الذي تكلم لفلسطين… بقلم د. رائد ناجي

في زمن تتبدل فيه المواقف كما تتبدل خرائط المصالح، يبرز اسم اليامين زروال بوصفه حالة مختلفة؛ حالة رجل اختار الصمت حين ضجت الأصوات، واختار الموقف حين انحنت الإرادات.

فالرجل، الذي جاء من رحم المؤسسة العسكرية، لم يكن مجرد رئيس عابر في تاريخ الجزائر، بل كان تجسيدا لمرحلة شديدة التعقيد، حيث اختلط الأمني بالسياسي، والوطني بالإقليمي، والدولي بالمصيري.

كانت الجزائر في تسعينيات القرن الماضي تعيش على وقع اهتزازات داخلية عنيفة؛ أزمة أمنية خانقة، وصراع دموي، وضغط دولي لا يهدأ. في هذا السياق، صعد زروال إلى سدة الحكم، لا باعتباره سياسيا تقليديا، بل باعتباره رجل توازنات دقيقة. ومع ذلك، لم تغب القضية الفلسطينية عن وعيه، ولم تُدفع إلى هامش أولوياته، رغم كل ما كان يحيط بالجزائر من أخطار داخلية.

لقد كان موقف زروال من القضية الفلسطينية امتدادا لعقيدة الدولة الجزائرية التي تشكلت منذ الثورة الجزائرية؛ عقيدة ترى في فلسطين مرآة للذات، وفي تحريرها استمرارا رمزيا لمعركة التحرر الوطني. غير أن خصوصية زروال تكمن في أنه لم يرفع الشعارات بقدر ما رسخ الثوابت، ولم ينخرط في مزايدات خطابية، بل حافظ على موقف ثابت، هادئ، وعميق.

فلسطين، في خطاب زروال، لم تكن ورقة سياسية، بل كانت مبدأ. مبدأ يتجاوز الظرفية، ويرفض التوظيف الآني. وقد تجلى ذلك في تمسكه بدعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها حق تقرير المصير، وقيام دولة مستقلة عاصمتها القدس.

لم يكن هذا الموقف مجرد تكرار لما تقوله البيانات الرسمية، بل كان انعكاسا لرؤية استراتيجية ترى في القضية الفلسطينية معيارا أخلاقيا للسياسات العربية.

وفي زمن كانت فيه بعض الأنظمة العربية تميل نحو التسويات السريعة، أو تنخرط في مسارات تفاوضية غير متكافئة، حافظ زروال على مسافة نقدية من تلك المسارات، دون أن ينخرط في صدام مباشر. لقد أدرك أن التوازن بين الواقعية السياسية والثبات المبدئي هو التحدي الأكبر، فاختار أن يكون جزءا من الإجماع العربي، دون أن يفرط في جوهر القضية.

اللافت في تجربة زروال، أن صمته كان أحيانا أبلغ من خطاب غيره. فهو لم يكن من القادة الذين يكثرون من التصريحات، لكنه كان من أولئك الذين يتركون مواقفهم تتحدث عنهم. وهذا ما جعل حضوره في الوعي السياسي العربي مرتبطا بالرصانة، لا بالضجيج؛ وبالعمق، لا بالاستعراض.

كما أن علاقته بالمؤسسة العسكرية لم تمنعه من إدراك البعد الإنساني للقضية الفلسطينية. فقد كان واعيا بأن فلسطين ليست مجرد صراع حدود، بل هي قضية شعب يعيش تحت الاحتلال، ويكافح من أجل الكرامة والحرية. ومن هنا، فإن دعمه لم يكن دعما سياسيا فقط، بل كان دعما أخلاقيا يعكس انحيازا واضحا للحق.

وفي قراءة أعمق، يمكن القول إن زروال مثّل نموذجا لما يمكن تسميته بـ”الواقعية المبدئية”. فهو لم يغامر بمصالح بلاده في سياق إقليمي مضطرب، لكنه في الوقت ذاته لم يتنازل عن الثوابت. لقد حافظ على خيط رفيع بين البراغماتية والالتزام، وهو خيط غالبا ما ينقطع في تجارب أخرى.

إن موقف زروال من فلسطين لا يمكن فصله عن رؤيته العامة للعلاقات الدولية. فقد كان يؤمن بأن النظام الدولي تحكمه موازين قوة غير عادلة، وأن الدفاع عن القضايا العادلة يتطلب صبرا استراتيجيا، لا اندفاعا عاطفيا. ومن هنا، فإن دعمه لفلسطين جاء ضمن هذا الإطار؛ دعم هادئ، لكنه ثابت، ومستمر، وغير قابل للمساومة.

لقد غادر زروال السلطة طواعية، في خطوة نادرة في العالم العربي، لكنه لم يغادر الذاكرة. بقي اسمه مرتبطا بصورة القائد الذي لم يساوم على المبادئ، ولم يستثمر في القضايا العادلة لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية. وهذا ما يمنح مواقفه من القضية الفلسطينية بعدا إضافيا، يتجاوز اللحظة التاريخية، ليصبح جزءا من إرث سياسي وأخلاقي.

في النهاية، يمكن القول إن تجربة اليامين زروال تطرح سؤالا عميقا: هل يمكن للقائد أن يكون واقعيا دون أن يفقد مبدئيته؟ في حالة زروال، يبدو الجواب ممكنا. لقد أثبت أن الصمت ليس دائما ضعفا، وأن الهدوء لا يعني الحياد، وأن الموقف الحقيقي لا يقاس بعلو الصوت، بل بصلابة الثبات.

وهكذا، يظل زروال، في علاقته بفلسطين، نموذجا لرجل لم يكتب خطابه بالحبر، بل بالمواقف؛ ولم يرفع صوته، لكنه رفع سقف الالتزام. وفي زمن تتراجع فيه القضايا الكبرى أمام حسابات المصالح، تبدو هذه التجربة جديرة بالتأمل، وربما بالاقتداء.

د.رائد ناجي

رابط دائم : https://dzair.cc/v1ro نسخ

اقرأ أيضًا