لم يعد قمع النظام المغربي يكتفي بجدران الزنازين، بل انتقل إلى مرحلة الانتقام الشامل الذي يستهدف الوجود المادي والمعنوي للمعارضين. ففي حراك تضامني واسع، وقع مئات النشطاء والأكاديميين والمثقفين من مختلف أنحاء العالم على عريضة تضامنية مع المؤرخ والحقوقي المعطي منجب، مطالبين بوقف ما وصفوه بـ “القمع الممنهج” والتعسف الإداري الذي يمارسه المخزن ضده، في محاولة يائسة لتركيعه عبر تجويعه ومصادرة أبسط حقوقه في العيش والعمل.
متاهة بيروقراطية لخنق الأكاديمي: سلب الرواتب ومنع التدريس
كشفت العريضة عن تفاصيل مرعبة لسياسة التضييق التي يتعرض لها أستاذ التاريخ السياسي بجامعة محمد الخامس؛ فمنذ سبتمبر 2022، لم يتقاضَ منجب سنتاً واحداً من راتبه، في “سرقة موصوفة” تحت غطاء إداري. وبالرغم من شموله بالعفو في إحدى القضايا، إلا أن وزارة التعليم العالي تصر على إبقائه في وضعية “إيقاف مؤقت” خارج كل القوانين. إنها متاهة بيروقراطية صُممت بدقة لإرهاق الرجل نفسياً ومادياً، وتحويل حياته إلى جحيم مستمر.
الحظر الشامل: منع السفر، تجميد الأرصدة، ومصادرة الكتب
لا يتوقف المخزن عند حد سلب الراتب، بل امتدت مخالبه لتشمل:
تجميد الحسابات المصرفية: منذ عام 2020، مما يحرمه من التصرف في ماله الخاص.
المصادرة التعسفية: استهداف ممتلكاته الشخصية بما في ذلك منزله وسيارته.
الحصار الثقافي: منع كتبه من التداول ومنعه من توقيع مؤلفاته في المعارض الدولية (الرباط والدار البيضاء)، في محاولة لمحو أثره الفكري.
المنع من السفر: استمرار قرار حظر التنقل خارج المغرب منذ أكتوبر 2020، مما يجعله في وضعية “سجين داخل وطن كبير”.
مطالب دولية بالاعتذار ورد الاعتبار
طالب الموقعون (الذين تجاوز عددهم 1700 شخصية) بالتسوية الفورية والكاملة لوضعية منجب المالية، ودفع كافة متأخراته التعويضية. كما شددت العريضة على ضرورة تقديم “اعتذار رسمي” من السلطات المغربية عن هذه الإجراءات غير القانونية التي تنتهك الدستور والاتفاقيات الدولية. واعتبر المثقفون أن استهداف منجب هو اعتداء صارخ على الحرية الأكاديمية في المغرب، ورسالة ترهيب لكل باحث يرفض أن يكون بوقاً للنظام.
تخلص القراءة في ملف المعطي منجب إلى أن المخزن يدشن مرحلة جديدة من القمع تتجاوز الاعتقال التقليدي إلى الاغتيال المدني. إن محاولة كسر مؤرخ دولي عبر تجويعه ومنع كتبه وتجميد أصوله هي شهادة إفلاس لنظام يخشى الكلمة والتاريخ أكثر من أي شيء آخر. إن سياسة “العقاب الجماعي” للأكاديميين المغاربة هي وصمة عار تلاحق سلطات المخزن في كل المحافل الحقوقية الدولية، ولن تتوقف الضغوط حتى استعادة كافة حقوقه المسلوبة.
