في مشهد يؤكد أن “العدالة” في المغرب باتت تعمل بنظام تصفية الحسابات التاريخية، أسدلت استئنافية الرباط الستار على فصْل جديد من فصول محاكمة النقيب محمد زيان، بتأييد حكم جائر يقضي بسجنه خمس سنوات نافذة. هذا الحكم الصادم، الذي جاء بعد نقض حكم سابق كان قد خفّض العقوبة، يكشف رغبة أجهزة المخزن في إبقاء الرجل الثمانيني خلف القضبان لأطول فترة ممكنة، ليس لمحاسبته على “تبديد أموال الحزب” كما يدّعون، بل لإسكاته نهائياً بعد أن كسر جدار الصمت حول دهاليز السلطة في مملكة الظلم والظلمات.
من النقض إلى التشديد: هندسة قضائية برائحة سياسية
إن عودة المحكمة لتثبيت العقوبة الأقصى (5 سنوات) بعد أن قضت محكمة النقض بإعادة المحاكمة، يطرح تساؤلات مشروعة حول استقلالية القضاء المغربي. فكيف لهيئة جديدة أن تتجاهل الدفوعات القانونية وتذهب مباشرة نحو التأييد الأعمى للحكم الابتدائي الأشدّ؟ إن التهم المتعلقة بتبديد أموال “الحزب المغربي الحر” تبدو مجرد شمّاعة قانونية لتغليف قرار سياسي اتُخذ في الغرف المظلمة؛ فالمخزن الذي يغض الطرف عن فضائح فساد بملايين الدولارات لمسؤولين نافذين، استلّ سيف “النزاهة” فجأة في وجه نقيب سابق تجرأ على انتقاد رأس الهرم.
84 عاماً في الزنزانة: حين تتحول العقوبة إلى إعدام بطيء
إن الإصرار على سجن رجل يبلغ من العمر 84 سنة، وقضى فعلياً سنوات من عمره في سجن العرجات، هو انتهاك صارخ لكل الأعراف الإنسانية قبل القانونية. فبدل إطلاق سراحه لأسباب صحية أو لتقدمه في السن، يختار النظام المغربي إعادة تدوير الأحكام لضمان عدم خروجه حياً. صرخة نجله المحامي علي زيان، الذي أعرب عن أمله في أن يغادر والده السجن على قيد الحياة، هي صرخة في وجه مجتمع دولي يتفرج على جريمة دولة تُرتكب تحت غطاء الإجراءات القانونية المعقدة.
ضريبة “التمرد”: من “صديق القصر” إلى “عدو الدولة”
ما يواجهه محمد زيان اليوم هو “ضريبة التمرد” على المنظومة التي كان جزءاً منها يوماً ما كوزير لحقوق الإنسان. فوزارة الداخلية، التي كانت الخصم في ملفه الأول، لم تغفر له فضحه لعيوب النظام وتصريحاته الجريئة التي هزت أركان الإجماع المزيف. إن متابعته في ملفات متعددة (تحرش، تبديد أموال، إهانة مؤسسات) ليست سوى اغتيال معنوي يسبق الاغتيال الجسدي داخل الزنزانة، وهي رسالة ترهيب لكل من يفكر في الانشقاق عن جوقة الولاء.
قضية زيان لم تكن يوماً قضية شيكات أو مصاريف حزبية، بل هي عنوان لانتقام مخزني لا يعرف الرحمة. إن تأييد سجن النقيب لخمس سنوات في خريف عمره هو المسمار الأخير في نعش شعارات “الإصلاح الحقوقي” بالمغرب. وإذا كان المخزن يظن أنه بسجن زيان قد أغلق الملف، فإنه في الحقيقة يصنع منه رمزاً للمظلومية السياسية التي ستظل تلاحق النظام أمام المحافل الدولية. فهل ستتحرك الضمائر الحقوقية لإنقاذ شيخ المحامين من موت مبرمج خلف القضبان؟
