شهدت العلاقات الجزائرية الإسبانية، اليوم الخميس، تحولاً جذرياً ومفصلياً، حيث استقبل رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، وزير الشؤون الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، في لقاء يكرس العودة الرسمية لمجاري العلاقات الثنائية إلى طبيعتها بعد أزمة دامت قرابة عامين.
استقبال بـ “أبعاد سيادية”
حمل استقبال الرئيس تبون للوزير الإسباني دلالات سياسية قوية؛ فهو اللقاء الأول من هذا المستوى منذ قرار الجزائر تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار في جوان 2022. وتأتي هذه الخطوة لتبدد غيوم التوتر التي طبعت المرحلة الماضية، وتؤكد أن العودة إلى “الدفء” الدبلوماسي تمت بشروط تراعي المصالح العليا للجزائر ومكانتها الإقليمية.
وكان ألباريس قد أجرى في وقت سابق محادثات موسعة مع نظيره وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، أحمد عطاف، عبّر خلالها الطرفان عن “الارتياح” للمسار الإيجابي الذي اتخذته العلاقات مؤخراً، لا سيما بعد عودة السفير الجزائري إلى مدريد نهاية العام الماضي.
الجزائر.. “الرقم الصعب” في معادلة الطاقة
يرى مراقبون أن ملف الطاقة كان المحرك الأساسي وراء تسارع وتيرة “الصلح”؛ فالجزائر أثبتت خلال الأزمة العالمية الراهنة أنها “المورد الأكثر موثوقية” للغاز نحو القارة العجوز. وفي ظل التنافس المحموم بين العواصم الأوروبية (خاصة بعد زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني للجزائر قبل يومين)، سعت مدريد عبر هذه الزيارة إلى تحصين حصتها من الغاز الجزائري وضمان استدامة الإمدادات عبر الأنابيب الرابطة بين البلدين.
وفي هذا السياق، شملت أجندة الوزير الإسباني لقاءات مع مسؤولين بقطاع الطاقة لبحث تعزيز الاستثمارات المشتركة، ما يعكس رغبة إسبانية في الانتقال من مجرد “زبون” إلى “شريك استراتيجي” طويل الأمد.
ملفات إقليمية وتوافق في الرؤى
إلى جانب الملف الاقتصادي، شكلت القضية الفلسطينية والعدوان على غزة، والوضع المتدهور في منطقة الساحل، محاور أساسية في المحادثات. وتتقاطع الرؤى الجزائرية والإسبانية في ضرورة تحقيق الاستقرار في حوض المتوسط، مع تأكيد الطرفين على أهمية الحوار السياسي كسبيل وحيد لحل النزاعات.
رسائل “سيرفانتس” من الباهية وهران
ولم تخلُ الزيارة من أبعاد ثقافية، حيث توجه ألباريس إلى “الباهية” وهران لتدشين المقر الجديد لمعهد “سيرفانتس”، في خطوة تهدف إلى تعزيز الروابط الإنسانية والثقافية بين الشعبين، والتأكيد على أن التعاون المستقبلي لن يقتصر على أنابيب الغاز فحسب، بل سيمتد إلى بناء جسور معرفية قوية.
بهذه الزيارة، تفتح الجزائر وإسبانيا صفحة جديدة في سجل علاقاتهما التاريخية، صفحة عنوانها “الواقعية السياسية” و”المنفعة المتبادلة”، مما يؤكد مجدداً أن الدبلوماسية الجزائرية استطاعت إدارة الأزمة بـ “نفس طويل” أدى في نهاية المطاف إلى اعتراف الشريك الإسباني بمحورية الجزائر في غرب المتوسط.
