في اعتراف جديد بفشل السياسات الفلاحية الموجهة للتصدير على حساب الأمن الغذائي للمواطن، لجأ المغرب مؤخراً إلى الرفع من واردات “البصل الهولندي” بمعدلات غير مسبوقة لتغطية العجز الحاد في الأسواق المحلية. وتأتي هذه الخطوة الاستعجالية بعدما قفزت أسعار هذه المادة الحيوية إلى حاجز 10 دراهم للكيلوغرام الواحد، مما زاد من معاناة الأسر المغربية التي تئن أصلاً تحت وطأة التضخم وغلاء المعيشة.
وأكدت تقارير دولية متخصصة (فريش بلازا) أن السوق المغربي يعيش حالة من “الخصاص” المزمن في الخضراوات الأساسية مثل البطاطس والبصل، نتيجة سوء التخطيط وتضرر المحاصيل في الأحواض الرئيسية (فاس ومكناس). ورغم أن المغرب يروج لنفسه كـ “قوة فلاحية” قادرة على إطعام أوروبا، إلا أن الواقع المرير كشف أن المملكة باتت تستورد بصلها من هولندا وبأسعار مرتفعة لتأمين حاجيات المواطنين، في مفارقة صارخة تعكس عمق الأزمة الهيكلية للقطاع الزراعي تحت إشراف حكومة “رجال الأعمال”.
“الأحوال الجوية” شماعة الفشل لمداراة التبعية
ويرى مراقبون أن تعليق هذا العجز على شماعة “الظروف المناخية” لم يعد يقنع أحداً؛ فبينما تُستنزف المياه الجوفية لزراعة “الأفوكادو” والفواكه الحمراء الموجهة للتصدير نحو الأسواق الأوروبية، يجد المواطن المغربي نفسه مرتهناً للمحاصيل الأجنبية لسد رمقه. إن الاضطرار لاستيراد البصل الهولندي، رغم النقص العالمي في محاصيله وارتفاع ثمنه، يؤكد أن “السيادة الغذائية” للمغرب باتت مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي، بينما الحقيقة هي تبعية مطلقة لتقلبات الأسواق الدولية حتى في أبسط مكونات “قفة” المواطن البسيط.
استمرار النزيف حتى الربيع القادم
وتشير المعطيات الميدانية من أسواق الجملة (خاصة الدار البيضاء) إلى أن “موسم الشح” المحلي مرشح للاستمرار لفترة أطول من المعتاد، مما يعني استنزافاً إضافياً للعملة الصعبة في استيراد مواد كان المغرب يصدرها سابقاً. هذا العجز المطول يكشف محدودية “مخطط المغرب الأخضر” ونسخته الجديدة “الجيل الأخضر”، التي ركزت على إغناء كبار الملاكين العقاريين والشركات المصدرة، وتركت أسواق الداخل عرضة للمضاربات والارتهان للخارج.
إن “أزمة البصل” ليست سوى رأس جبل الجليد في منظومة فلاحية مغربية تعاني من اختلالات بنيوية خطيرة. وما استنجاد المخزن بالبصل الهولندي في عز الربيع سوى إدانة صريحة لنموذج اقتصادي يقدس “العملة الصعبة” على حساب “كرامة المواطن” وأمنه الغذائي. وبينما ينتظر المغاربة انخفاض الأسعار، تظل المطابخ المغربية رهينة لـ “صوت الصواريخ” الدولية وتقلبات الموانئ الهولندية، في ظل غياب إرادة حقيقية لتحقيق اكتفاء ذاتي يحمي جيوب الفقراء.
