تشهد الساحة الدولية تحولاً جذرياً في طبيعة التعامل مع الأزمات المشتعلة في الشرق الأوسط، حيث انتقل الحراك من مربع التنديد اللفظي إلى مربع الإجراءات التنفيذية التي تمس صلب الاتفاقات الاستراتيجية والتمويلات الدولية. ففي الوقت الذي تعيش فيه واشنطن صراعاً غير مسبوق بين البيت الأبيض والفاتيكان، تقود مدريد حراكاً أوروبياً يهدف إلى تجريد الكيان الصهيوني من امتيازاته الاقتصادية، مما يضع مفهوم “الشراكة الدولية” أمام اختبار أخلاقي وقانوني هو الأصعب منذ عقود.
في الولايات المتحدة، لم يعد السجال بين الرئيس دونالد ترامب والبابا ليون الرابع عشر مجرد خلاف في وجهات النظر حول الهجرة أو الحروب، بل تحول إلى مواجهة إدارية مباشرة تجلت في إلغاء عقد تمويل تاريخي بقيمة 11 مليون دولار لمنظمة “كاثوليك تشاريتيز” في ولاية فلوريدا. هذا الإجراء الذي استهدف منظمة تعنى برعاية القاصرين والمهاجرين منذ ستين عاماً، يعكس توجهاً لدى الإدارة الأمريكية الحالية لاستخدام “سلاح التمويل” لتطويع المؤسسات الدينية أو الإنسانية التي تتبنى مواقف تتعارض مع أجندة “أمريكا أولاً”. إن الهجوم الشخصي الذي شنه ترامب على البابا، واصفاً إياه بالضعف في قضايا الجريمة والسياسة الخارجية، يمثل شرخاً عميقاً في العلاقة التقليدية بين واشنطن والفاتيكان، وهو ما سينعكس حتماً على تماسك القوة الناعمة الأمريكية في الخارج.
وعلى المقلب الآخر من المحيط الأطلسي، اختار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذهاب إلى أبعد مدى ممكن في مواجهة الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي. إعلان سانشيز عن نية إسبانيا طلب فسخ اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني يمثل انعطافة تاريخية في السياسة الأوروبية. يرتكز المقترح الإسباني على المادة الثانية من اتفاقية عام 2000، وهي المادة التي تجعل احترام حقوق الإنسان شرطاً جوهرياً لاستمرار الامتيازات التجارية والسياسية. هذا التحرك، المدعوم من إيرلندا وسلوفينيا، يسعى إلى وضع المفوضية الأوروبية أمام مسؤولياتها القانونية، وتجاوز حالة الشلل التي تفرضها بعض القوى الأوروبية المترددة في اتخاذ إجراءات عقابية ضد تل أبيب.
إن الترابط بين هذين الملفين يظهر بوضوح أن العالم بصدد إعادة تشكيل خارطة التحالفات بناءً على المواقف من القانون الدولي. فبينما تعاقب واشنطن المنظمات الكاثوليكية بسبب مواقف البابا الداعية للسلام وحماية اللاجئين، تحاول مدريد معاقبة إسرائيل بسبب خرقها للمواثيق الدولية. هذا التناقض الصارخ يضع الاتحاد الأوروبي في مأزق؛ فإما القبول بالمقترح الإسباني وتفعيل بنود حقوق الإنسان في اتفاقياته، أو الاعتراف بأن هذه البنود تسقط أمام المصالح الجيوسياسية الضيقة.
إن الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار العلاقات الدولية، حيث يترقب العالم اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي وما سيسفر عنه التحرك الإسباني. وفي المقابل، يراقب الشارع الأمريكي تداعيات الصدام بين البيت الأبيض والكنيسة، وهو الصدام الذي قد يعيد تشكيل خارطة التصويت في الولايات المتأرجحة مثل فلوريدا. إن ما يحدث اليوم يتجاوز كونه مجرد خلافات دبلوماسية عابرة، بل هو صراع على هوية النظام الدولي القادم، وهل سيكون محكوماً بسلطة القانون والمبادئ، أم بمنطق القوة والضغط المالي والسياسي.
