كشفت المعطيات الصادمة التي أفرجت عنها المندوبية السامية للتخطيط حول سوق الشغل للفصل الأول من سنة 2026 عن عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها الاقتصاد المغربي. ففي الوقت الذي يسوق فيه نظام المخزن لنجاحات وهمية في الواجهة، تفضح الأرقام وجود 1,253 مليون عاطل عن العمل، بمعدل بطالة بلغ 10,8%. إن هذه الحصيلة الثقيلة هي إدانة مباشرة لسياسات عمومية أثبتت عجزها عن خلق الثروة واستيعاب الطاقات البشرية، محولةً البلاد إلى خزان للإحباط والهشاشة.
جيوش من المهمشين خارج دائرة النشاط
تبرز الأرقام فشل النموذج التنموي المخزني في تحقيق الحد الأدنى من الإدماج الاقتصادي، حيث أن أكثر من نصف السكان في سن العمل (58,2%) يوجدون خارج سوق الشغل. فمن أصل 27,8 مليون شخص في سن العمل، لا تتجاوز القوى العاملة 11,617 مليون شخص، بمعدل مشاركة هزيل يقدر بـ 41,8%. هذا العطل في الماكينة الاقتصادية يرافقه اتساع مخيف لدائرة الهشاشة، حيث يوجد 671 ألف شخص في وضعية شغل ناقص، و884 ألفاً ضمن القوة العاملة المحتملة، ما يرفع حجم الضغط الحقيقي على سوق الشغل إلى مستويات غير مسبوقة.
الشباب والنساء: الوقود الدائم لمقصلة البطالة
تواصل الفئات الأكثر حيوية في المجتمع المغربي دفع فاتورة الفشل المخزني؛ إذ سجلت البطالة لدى الشباب (15-24 سنة) معدلاً انتحارياً وصل إلى 29,2%. أما النساء، فيواجهن إقصاءً ممنهجاً، حيث لا يتجاوز معدل مشاركتهن 17,5%، وتصل نسبة البطالة في صفوفهن إلى 16,1%. إن هذا التهميش الممنهج للقوى الشبابية والنسائية، بالتزامن مع عسكرة الفضاءات العامة وقمع المثقفين والطلبة—كما حدث مؤخراً مع اعتقال الكاتب عبد الرحيم حزل وطرد طلبة القنيطرة—يؤكد أن النظام يفضل المقاربة الأمنية على الحلول التنموية الحقيقية.
فوارق جهوية واقتصاد خدماتي هش
تعكس الخريطة المجالية للبطالة فجوة تنموية عميقة يكرسها نظام المخزن، حيث تصدرت جهة العيون الساقية الحمراء القائمة بنسبة 20,3%، تليها الجهة الشرقية بـ 14,9%. كما يظهر توزيع المشتغلين ارتهان الاقتصاد لقطاع الخدمات بنسبة 49,1%، يليه القطاع الفلاحي بـ 24,5%، وهو ما يعكس استمرار الطابع التقليدي وضعف التحول نحو صناعة منتجة وعالية القيمة.
إن هذه المؤشرات المقلقة، التي تزامنت مع قفزة في العجز التجاري لتصل إلى 87,37 مليار درهم، تؤكد أن المغرب يسير نحو انسداد أفق شامل. فبينما ينشغل النظام في ارتهانه للخارج، يترك الملايين من مواطنيه يواجهون قدرهم بين مخالب البطالة أو قوارب الموت، في ظل ردة حقوقية تحاول تكميم أفواه كل من ينبه إلى هذا الانهيار البنيوي المتسارع.
