في لحظةٍ تختلط فيها السياسة بالقانون، وتتماهى فيها السلطة مع نزعتها العقابية القصوى، يبرز إقرار ما يُسمى بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين داخل كيان الاحتلال بوصفه علامة فارقة في مسار الانحدار الأخلاقي والقانوني.
ليس الأمر مجرد نص تشريعي عابر، بل هو تعبير مكثف عن بنية ذهنية ترى في الإنسان الفلسطيني موضوعًا للإلغاء، لا ذاتًا للحق. هنا، يتحول القانون من أداة لتنظيم الحياة إلى أداة لإنتاج الموت، ومن وسيلة لتحقيق العدالة إلى آلية لإضفاء الشرعية على الانتقام.
من الزاوية الإنسانية، يتجاوز هذا القانون حدود العقوبة إلى فضاء الإبادة الرمزية. فالإعدام، في سياقٍ استعماري، لا يُمارس كفعل قضائي محايد، بل كرسالة سياسية مشبعة بالدلالات؛ رسالة مفادها أن حياة الفلسطيني قابلة للمحو بقرار سيادي.
إنّ هذا التحول يُسقط القناع عن ادعاءات “الديمقراطية”، ويكشف عن بنية ترى في الآخر تهديدًا وجوديًا يجب التخلص منه، لا محاورًا يمكن الاحتكام معه إلى قواعد العدالة. هنا، يصبح الجسد الأسير ساحةً لتفريغ فائض القوة، وتتحول الزنزانة إلى فضاء انتظار للموت، لا لإعادة التأهيل أو حتى للمحاسبة القانونية المنصفة.
أما نفسيًا، فإنّ أثر هذا القانون يتسلل إلى عمق الوعي الفردي والجماعي للأسرى. إنّ إدخال فكرة الإعدام إلى معادلة الأسر يُحدث خلخلةً في بنية التكيف النفسي التي بناها الأسير عبر سنوات الاعتقال. فبدل أن يكون الأمل بالإفراج أو تبادل الأسرى عنصرًا موازنًا للمعاناة، يصبح الموت احتمالًا دائمًا، يفرض حضوره الثقيل على كل لحظة.
هذا التحول يُنتج حالة من القلق الوجودي، حيث لا يعود الزمن مجرد امتداد للألم، بل عدًّا تنازليًا نحو نهاية مفروضة. ومع ذلك، فإنّ التجربة الفلسطينية تُظهر أن هذا الضغط قد يتحول، paradoxically، إلى عامل تعزيز للتماسك الداخلي، حيث يعيد الأسرى إنتاج معنى وجودهم من خلال الصمود، ويحوّلون التهديد إلى دافع للتماهي مع قضيتهم.
قانونيًا، يثير هذا التشريع إشكاليات عميقة تتعلق بموقعه من المنظومة الدولية. فإقرار عقوبة الإعدام في سياق احتلال عسكري يتعارض مع جوهر القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض على القوة القائمة بالاحتلال التزامات محددة تجاه السكان الواقعين تحت سيطرتها. إنّ تحويل المحاكم إلى أدوات لإصدار أحكام بالإعدام بحق أسرى يخضعون لسلطة احتلال يُفرغ مفهوم “المحاكمة العادلة” من مضمونه، ويحوّله إلى إجراء شكلي يسبق تنفيذ قرار سياسي. هنا، لا يعود القانون مرجعية مستقلة، بل يصبح امتدادًا لإرادة القوة، ما يضع هذا التشريع في مواجهة مباشرة مع مبادئ العدالة الكونية.
اجتماعيًا، لا يقتصر أثر هذا القانون على الأسرى داخل السجون، بل يمتد إلى النسيج الفلسطيني برمته. فكل أسير محكوم بالإعدام هو ابن لعائلة، وعضو في مجتمع، ورمز في سردية جماعية. إنّ التهديد بإعدامه يُحدث صدمة ممتدة، تتوزع على دوائر الانتماء المختلفة؛ من الأسرة الصغيرة التي تعيش القلق اليومي، إلى المجتمع الذي يرى في ذلك استهدافًا لهويته الجمعية.
ومع ذلك، فإنّ هذا الأثر لا يتخذ دائمًا شكل الانكسار، بل قد يتحول إلى محفز لإعادة إنتاج التضامن، حيث تتكثف الروابط الاجتماعية حول قضية الأسرى، ويُعاد تعريفهم بوصفهم حاملي معنى، لا مجرد ضحايا.
في المقابل، يكشف هذا القانون عن تحولات داخل مجتمع الاحتلال نفسه. فإقرار عقوبة الإعدام يعكس صعود خطاب أمني متطرف، يُعيد تعريف العدالة بوصفها انتقامًا مشروعًا. هذا التحول لا يُنتج فقط سياسات أكثر قسوة، بل يُعيد تشكيل الوعي الجمعي، بحيث يصبح العنف جزءًا من “الطبيعي”. وهنا، تكمن الخطورة الأعمق؛ إذ لا يعود الإعدام استثناءً، بل خيارًا مقبولًا، ما يفتح الباب أمام مزيد من الانزلاق نحو شرعنة القسوة
.
إنّ قانون إعدام الأسرى، في جوهره، ليس مجرد نص، بل بنية خطابية وممارسة سلطوية تتقاطع فيها الأبعاد الإنسانية والنفسية والقانونية والاجتماعية. هو لحظة تكثيف لسياسة ترى في السيطرة غاية، وفي الردع أداة، وفي الموت وسيلة. ومع ذلك، فإنّ التاريخ يُظهر أن القوانين التي تُبنى على نفي الإنسان لا تدوم، وأنّ الذاكرة الجمعية قادرة على تحويل الألم إلى سردية مقاومة، تُعيد للإنسان مكانته، ولو بعد حين.
