الثلاثاء 20 جانفي 2026

تغلغل صهيوني في الزراعة المغربية: حين تتحول التكنولوجيا إلى أداة لاختراق السيادة المائية والغذائية

نُشر في:
تغلغل صهيوني في الزراعة المغربية: حين تتحول التكنولوجيا إلى أداة لاختراق السيادة المائية والغذائية

لم يعد الحضور الصهيوني في القطاع الزراعي المغربي مجرد تعاون تقني عابر أو تبادل خبرات ظرفي، بل بات، وفق دراسة أكاديمية حديثة، اختراقًا بنيويًا يمسّ جوهر السيادة المائية والغذائية للمملكة، في سياق إقليمي ودولي شديد الحساسية، يتسم بندرة الموارد، وتزايد الضغوط الجيوسياسية، وتحوّل الغذاء والماء إلى أدوات نفوذ استراتيجية.

الدراسة، التي أنجزها الدكتور محمد الناجي، الأستاذ الباحث بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، ونُشرت في مجلة «أصوات كواكب أخرى»، دقّت ناقوس الخطر بشأن المسار الذي اتخذه التعاون الزراعي المغربي-الصهيوني منذ استئناف العلاقات نهاية سنة 2020، معتبرة أن ما يجري يتجاوز بكثير منطق “نقل التكنولوجيا” إلى منطق الهيمنة على مفاصل الإنتاج الزراعي.

من التعاون إلى الاختراق البنيوي

بحسب الدراسة، شكّلت اتفاقات التطبيع منعطفًا حاسمًا، إذ انتقل الحضور الصهيوني من مستوى محدود وغير معلن إلى استراتيجية توسّع ممنهجة، مستفيدة من هشاشة المنظومة المائية المغربية، ومن أزمة الجفاف البنيوية التي يعرفها البلد منذ سنوات. في هذا السياق، لم تعد الشركات الصهيونية تكتفي بتوفير حلول تقنية، بل أصبحت فاعلًا مباشرًا في التحكم في البذور، والري، والبيانات الزراعية، والتسويق، والتصدير.

هذا التحول، كما يبرز الباحث، يجعل من الزراعة المغربية حلقة تابعة في سلاسل إنتاج عابرة للحدود، بدل أن تكون رافعة للسيادة الغذائية، ويطرح أسئلة جوهرية حول من يتحكم فعليًا في غذاء المغاربة ومياههم.

أزمة مياه واستثمار في الهشاشة

تؤكد الدراسة أن المغرب يواجه أزمة مائية هيكلية، إذ يستهلك القطاع الزراعي نحو 87 في المائة من الموارد المائية الوطنية، في ظل تراجع حاد في التساقطات وتوالي سنوات الجفاف. ورغم ذلك، واصلت السياسات العمومية تشجيع نماذج زراعية تصديرية كثيفة الاستهلاك للمياه، مثل الأفوكادو والطماطم والفواكه الحمراء، ما فاقم الاستنزاف المائي وعمّق التبعية للخارج.

في هذا السياق، نجح الكيان الصهيوني، الذي يعاني بدوره من ندرة المياه، في تسويق تكنولوجياته كحلّ سحري، خصوصًا في مجالات الريّ بالتنقيط والزراعة الذكية وتحلية المياه. غير أن الدراسة تحذّر من أن هذه “الحلول” تُبنى على منطق التبعية التكنولوجية، وتُقوّض القدرة الوطنية على تطوير بدائل محلية مستقلة.

شركات كبرى ونفوذ متشعب

توثّق الدراسة حضور شركات صهيونية وازنة في السوق المغربية، على رأسها شركة Netafim، التي تهيمن على الحصة الأكبر من سوق الريّ بالتنقيط، وشركة Mehadrin الناشطة في إنتاج وتصدير الأفوكادو، إضافة إلى Hazera / Zeraim Gedera التي تستحوذ على نسبة كبيرة من سوق البذور، بأسعار باهظة تجعل الفلاح المغربي رهينة لمورّد أجنبي.

هذا التغلغل لا يقتصر على المعدات والبذور، بل يمتد إلى الزراعة الرقمية وتحليل المعطيات، ما يعني عمليًا نقل القرار الزراعي من الحقل المحلي إلى خوادم وشركات عابرة للحدود، تتحكم في المعطيات والاختيارات الإنتاجية.

تصدير المياه في بلد عطشان

من أخطر ما توقفت عنده الدراسة هو مفهوم “تصدير المياه الافتراضية”، إذ يتطلب إنتاج كيلوغرام واحد من الأفوكادو ما بين 600 و1000 لتر من المياه، في بلد يعاني أصلًا من عجز مائي متفاقم. وبذلك، لا يصدّر المغرب منتجات فلاحية فقط، بل يصدّر موارده المائية النادرة، على حساب حاجياته الداخلية وأمنه الغذائي.

وترى الدراسة أن هذا النموذج يعمّق التبعية للأسواق الخارجية، ويجعل الغذاء الوطني رهينة لتقلبات الطلب العالمي، في وقت تتراجع فيه القدرة على التحكم في البذور ومدخلات الإنتاج الأساسية.

التطبيع بوابة لتجاوز المقاطعة

وتلفت الدراسة إلى بُعد سياسي لا يقل خطورة، يتمثل في استخدام المغرب كمنصة إنتاج وتصدير نحو الأسواق الأوروبية والدولية، ما يتيح للشركات الصهيونية الالتفاف على حملات المقاطعة الدولية، وتخفيف الضغط الأخلاقي والقانوني المرتبط بجرائم الاحتلال، وهو ما يورّط الزراعة المغربية في مسارات تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية البحتة.

سيادة مهددة وأسئلة مفتوحة

تخلص الدراسة إلى أن المكاسب التقنية قصيرة الأمد لا يمكن أن تحجب المخاطر الاستراتيجية بعيدة المدى، وعلى رأسها تآكل السيادة المائية والغذائية، واستنزاف الموارد الطبيعية، وتحويل الفلاح المغربي إلى تابع لسلاسل إنتاج لا يتحكم في شروطها.

وفي ظل هذا الواقع، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: إلى أي حدّ يمكن لبلد يعاني من الجفاف، والغلاء، والهشاشة الاجتماعية، أن يراهن على نموذج زراعي يخدم الأسواق الخارجية أكثر مما يخدم حاجيات مواطنيه؟ وهل يتحول التطبيع، في بعده الزراعي، إلى مدخل صامت لإعادة تشكيل الأمن الغذائي وفق مصالح غير وطنية؟

الدراسة، بما تحمله من معطيات وتحذيرات، تضع صانعي القرار أمام مسؤولية تاريخية: إما مراجعة السياسات الزراعية على أساس السيادة والاستدامة، أو الاستمرار في مسار قد يجعل من الغذاء والماء أوراق ضغط خارجية، في بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الارتهان.

رابط دائم : https://dzair.cc/dm81 نسخ

اقرأ أيضًا