الاثنين 19 جانفي 2026

جزر الكناري تلعب بالنار: حين تتحوّل “بعثة اقتصادية” إلى شراكة فاضحة في نهب الصحراء الغربية

نُشر في:
جزر الكناري تلعب بالنار: حين تتحوّل “بعثة اقتصادية” إلى شراكة فاضحة في نهب الصحراء الغربية

من يظنّ أن ما يجري بين جزر الكناري والاحتلال المغربي مجرد “مشروع استثمار” يحتاج إلى إعادة نظر عاجلة. ما حدث ليس رحلة عمل ولا بعثة تجارية، بل سقوط سياسي مدوٍّ لإقليم أوروبي قرّر أن يضع اسمه، رسميًا وعلنيًا، في قائمة المتواطئين في نهب آخر مستعمرة في إفريقيا.

Proexca، الذراع الاقتصادي لحكومة الكناري، لم تكتفِ بالتطبيع مع واقع الاحتلال، بل تجاوزته إلى ما هو أخطر: تنظيم بعثة شراكة نحو ميناء “الداخلة الأطلسي” لبناء اقتصاد فوق أرض محتلة بالقوة وبخلاف القانون الدولي. خطوة وُصفت بحق بأنها “دعم مباشر للمغرب في عمليات النهب”، كما جاء في بيان جبهة البوليساريو التي قرأت الحدث بدقّة: هذا ليس استثمارًا.. هذا تبييض لسرقة الموارد.

كل شيء صُنع بخبث محسوب: موعد محدد، شركات مصنّفة، جدول أعمال مضبوط، وكأن المنطقة ليست أرضًا متنازعًا عليها، وكأن محكمة العدل الأوروبية لم تُصدر حكمًا واضحًا سنة 2024 يمنع أي استثمار في الصحراء بدون موافقة الشعب الصحراوي. أي وقاحة سياسية أكثر من هذا؟ إقليم أوروبي يضرب قرارات أعلى هيئة قضائية أوروبية عرض الحائط من أجل “امتيازات لوجستية” على رمال مسروقة.

المفارقة أن هؤلاء يعرفون جيدًا ماذا يفعلون. يعرفون أن الميناء الذي يسعون إلى خدمة مشاريعه بطرق ملتوية ليس سوى محور استراتيجي في خطة الاحتلال لتثبيت وجوده وشرعنة سرقته للثروات. ويعرفون أن كل توقيع وكل عقد وكل رحلة “عمل” هي رصاصة جديدة تُطلق على مبدأ تقرير المصير، وعلى آخر أمل لشعب يعيش نصف قرن من الانتظار في مخيمات اللجوء.

لكن من الواضح أن مصالح شركات جزر الكناري أصبحت أثقل من تاريخ إسبانيا نفسه، أثقل من مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية تجاه إقليم تخلّت عنه ثم تركته للنار. اليوم، لا يمكن للكناري أن تتحدث عن “حياد” أو “اقتصاد منفصل عن السياسة”. لقد اختارت موقفها: هي الآن طرف في الصراع، شريك في النهب، شريك في التزوير، شريك في الاحتلال.

إنّ بعثة الاستثمار هذه ليست مجرد “زيارة”. إنّها اعتداء سياسي مكتمل الأركان.
إنّها إعلان عارٍ بأن بعض الأطراف الأوروبية مستعدة لدفن القانون الدولي تحت أقدام الأرباح.
إنها رسالة واضحة للمغرب: “افعل ما تشاء.. سنغطيك ما دمت تسمح لنا بالاقتراب من ثروات ليست لك”.

لكنّ ما يغيب عن هؤلاء جميعًا هو أن التاريخ طويل، والقانون لا يسقط بالتقادم، وأن الشعب الذي يصمد منذ 50 سنة لن يُهزم بوفد اقتصادي مرتب على عجل. الصحراء الغربية ليست مزرعة خاصة تُوزَّع امتيازاتها في الصالونات، ولا أرضًا فارغة يملؤها رأس المال حين يشاء. هي قضية تصفية استعمار، وملف تحت وصاية الأمم المتحدة، وشعب له ممثل وحيد لا يمكن تجاوزه مهما حاولت الحكومات الإقليمية لعب دور “السمسار الجيوسياسي”.

إنّ ما تقوم به الكناري اليوم ليس فقط خطأ، بل مقامرة خطيرة. مقامرة ستجرّ على إسبانيا نفسها مساءلات قانونية وأزمات سياسية داخل الاتحاد الأوروبي، وستضعها مباشرة في مواجهة إرادة شعب قرر منذ زمن ألا يسلّم أرضه مهما طال الزمن.

لقد سقطت ورقة التوت.
وهذه المرة، سقطت من يد من يُفترض أنها “جزء من أوروبا المتحضرة”.

والمحصلة واضحة: بعثة الكناري إلى الداخلة ليست تجارة، بل جريمة سياسية مكتملة، وشراكة معلنة في نهب شعب أعزل، ووصمة جديدة على جبين إسبانيا التي ما زالت عاجزة عن الخروج من ظلّ استعمارها القديم.

إن كنتم تبحثون عن الاستثمار، فابحثوا في أرضكم.. أما الصحراء الغربية، فليست للبيع، ولن تكون.

رابط دائم : https://dzair.cc/ktkq نسخ

اقرأ أيضًا