السبت 11 أفريل 2026

حروب المياه الصامتة: كيف سيحدد الأمن المائي مستقبل الغذاء والسيادة الوطنية؟… بقلم الخبير الاقتصادي الدكتور الهواري تيغرسي

نُشر في:
بقلم: الخبير الاقتصادي الدكتور الهواري تيغرسي
حروب المياه الصامتة: كيف سيحدد الأمن المائي مستقبل الغذاء والسيادة الوطنية؟… بقلم الخبير الاقتصادي الدكتور الهواري تيغرسي

في عالم يقترب من عتبة 10 مليارات نسمة بحلول 2050، لم يعد الماء مجرد مورد طبيعي يُستهلك ضمن دورة الحياة، بل تحوّل إلى عنصر حاسم في معادلات القوة العالمية، وأداة استراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن القومي واستقرار الدول.

فمع تصاعد الضغوط المناخية والديمغرافية، بدأت ملامح نظام دولي جديد تتشكل، عنوانه الواضح أن التحكم في المياه لم يعد خيارًا تنمويًا، بل ضرورة سيادية تحدد من يملك القدرة على تأمين غذائه ومن يملك قراره السياسي.

في قلب هذه المعادلة، يبرز الماء باعتباره العمود الفقري للأمن الغذائي العالمي، حيث تستهلك الزراعة وحدها نحو 70% من الموارد المائية العذبة، في وقت يعيش فيه أكثر من 2.3 مليار إنسان تحت ضغط مائي متزايد.

ومع توقع ارتفاع الطلب على الغذاء بنسبة تقارب 50% بحلول 2050، تصبح كفاءة استخدام المياه في الزراعة مسألة وجودية، خاصة أن نسبة صغيرة من الأراضي المروية، لا تتجاوز 20%، تنتج ما يقارب 40% من الغذاء العالمي. هذا الواقع يبرز حقيقة مفصلية مفادها أن مستقبل الغذاء لن يُحسم بتوسيع المساحات الزراعية، بل بقدرة الدول على إدارة مواردها المائية بذكاء وفعالية.

غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن العالم لا يعاني فقط من ندرة المياه، بل من سوء توزيعها واستغلالها. ففي إفريقيا، على سبيل المثال، تتوفر موارد مائية معتبرة، لكنها لا تستغل سوى بنسبة ضئيلة لا تتجاوز 5% من إمكانات الري، بينما تتجاوز خسائر المياه في بعض الدول النامية 30% نتيجة التسرب وسوء التسيير.

ويزداد الوضع تعقيدًا مع تأثيرات التغير المناخي، التي قد تقلص الموارد المائية في بعض المناطق بنسبة تصل إلى 20% خلال العقود القادمة، ما يخلق معادلة خطيرة تجمع بين العجز المائي وضعف الإنتاج الغذائي، وتؤدي في النهاية إلى هشاشة اقتصادية وأمنية.

وفي هذا السياق، لم تعد المياه مجرد قضية بيئية، بل أصبحت ملفًا جيوسياسيًا بامتياز، خاصة أن أكثر من 60% من الموارد المائية العالمية عابرة للحدود، وأن نحو 40% من سكان العالم يعتمدون على أحواض مائية مشتركة.

هذا الواقع يفسر تصاعد التوترات حول الأنهار الكبرى في العالم، حيث تتحول المياه تدريجيًا إلى مصدر نفوذ وصراع غير معلن، في إطار ما يمكن وصفه بـ”الحروب الصامتة”. فندرة المياه لا تؤدي فقط إلى تراجع الإنتاج الزراعي، بل تدفع أيضًا إلى ارتفاع الأسعار، وتغذية الاضطرابات الاجتماعية، وصولًا إلى تهديد الاستقرار السياسي.

أمام هذه التحديات، لم يعد التعامل مع المياه يقتصر على إدارة الأزمة، بل يتطلب الانتقال إلى منطق استراتيجي قائم على تحويلها إلى رافعة قوة. ويبدأ ذلك بتبني الزراعة الذكية مائيًا، التي تعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتقليل الاستهلاك وتحسين الإنتاجية، إلى جانب تعميم أنظمة الري الحديثة، خاصة الري بالتنقيط، الذي يسمح بتقليص الهدر بشكل كبير.

كما يبرز الاستثمار في البنية التحتية المائية كأولوية عالمية، في ظل الحاجة إلى مئات المليارات من الدولارات لتطوير شبكات النقل والتخزين والمعالجة، فضلاً عن أهمية إعادة استخدام المياه المستعملة، التي يمكن أن تغطي نسبة معتبرة من الطلب الزراعي في المستقبل.

وفي ضوء هذه التحولات، يقف العالم أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول متشائم، يقوم على استمرار الوضع الحالي وما يحمله من تفاقم للأزمات وارتفاع في أسعار الغذاء وتصاعد النزاعات؛ والثاني وسطي، يعتمد على إصلاحات جزئية تحقق بعض التحسن دون معالجة جذرية؛ أما الثالث، وهو السيناريو المتفائل، فيفترض تحولًا استراتيجيًا شاملًا يمكن أن يضاعف الإنتاج الزراعي في المناطق الجافة، ويوفر ملايين فرص العمل، ويؤسس لأمن غذائي مستدام.

بالنسبة للجزائر، فإن هذا التحول يمثل تحديًا وفرصة في آن واحد. فمع تزايد الضغط على الموارد المائية، يصبح من الضروري تبني رؤية استراتيجية تقوم على تطوير تحلية مياه البحر كمصدر دائم ومستقر، وتوسيع الزراعة الصحراوية الذكية، والاستثمار في الاقتصاد المائي كقطاع سيادي. فالتحكم في المياه لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح شرطًا أساسيًا لضمان الاستقرار الغذائي والسياسي، وتعزيز الاستقلالية الوطنية.

خلاصة، يتجه العالم نحو مرحلة ستحدد فيها المياه موازين القوة أكثر من أي وقت مضى. وإذا كانت الحروب في الماضي تُخاض على النفط أو الحدود، فإن حروب المستقبل ستكون أكثر هدوءًا، لكنها أشد تأثيرًا، لأنها ستدور حول الموارد الحيوية التي لا غنى عنها. وفي هذا السياق، لن تكون القوة للدول التي تملك المياه فقط، بل لتلك التي تحسن إدارتها وتستثمر فيها بذكاء، لأن الماء لم يعد مجرد مورد… بل أصبح مفتاح السيادة

رابط دائم : https://dzair.cc/r26c نسخ

اقرأ أيضًا