الاثنين 20 أفريل 2026

حين تُطلق السهام وتتحرك السماء : كيف تحوّلت استراتيجية ترمب ضد إيران إلى ارتدادٍ جيوسياسيٍّ عكسي … بقلم الصحفي كمال علاق

نُشر في:
بقلم:
حين تُطلق السهام وتتحرك السماء : كيف تحوّلت استراتيجية ترمب ضد إيران إلى ارتدادٍ جيوسياسيٍّ عكسي … بقلم الصحفي كمال علاق

دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وهو يتعامل مع السياسة الخارجية كأنها صفقة عقارية: ضغط سريع، شروط قاسية، وتوقيع فوري.

لكن الشرق الأوسط ليس ناطحة سحاب يمكن إعادة تصميمها بقرار مفاجئ، بل شبكة معقدة من التوازنات، كل خيط فيها مشدود بخيوط أخرى.

ظن التاجر في سوق العقار سابقاً – ترمب – أن إيران ستتراجع تحت وطأة العقوبات، فإذا بها تعيد تعريف “الصمود” كسياسة رسمية، وتحوّل الضغط إلى وقود داخلي، لم تنكسر، بل أعادت تموضعها، وأتقنت لعبة الوقت، حيث كل تأخير انتصار صغير.

في المقابل، تحوّل مضيق هرمز إلى ما يشبه مؤشر البورصة: كل تصريح يرفع التوتر، وكل حادثة تخفض الثقة، العالم يراقب، وأسواق الطاقة ترتجف، بينما السفن تمر وكأنها تسير بين أعصاب مشدودة لا بين مياه.

أما المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، خليفة والده، فبقي في موقعه كمن يلعب مباراة طويلة النفس، لا استعجال، لا اندفاع، فقط امتصاص للضربات وانتظار اللحظة المناسبة للرد، أو لعدم الرد، وهو أحيانًا الرد الأقوى.

وفي واشنطن، لم تكن المعركة أقل ضجيجًا، تغييرات مستمرة في الفريق، وجوه تأتي وأخرى ترحل، وكأن السياسة الخارجية تُدار بنظام “جرّب ثم استبدل”، حيث كل مستشار يحمل رؤية، لكن الرؤية نفسها كانت تتغير أسرع من الأشخاص.

اقتصاديًا، أراد دونالد ترامب تثبيت هيمنة الدولار، لكن العالم — بصمت — بدأ يجرّب بدائل، ليس تمردًا مباشرًا، بل تنويع حذر: التعامل بـ اليوان الصيني هنا، واتفاقات جانبية هناك، وكأن الرسالة غير المعلنة: “نحن لا نواجه، لكننا لا نعتمد بالكامل أيضًا”.

وفي الملف النووي، كان انسحاب إيران من اتفاق حظر الانتشار النووي محاولة لإعادة ضبط اللعبة، لكنه فتح الباب لنسخة أكثر تعقيدًا، القيود التي كانت موجودة تآكلت، والبرنامج الذي كان تحت المراقبة أصبح أكثر مرونة، وأكثر غموضًا.

وعسكريًا، التصعيد لم يكن خطًا مستقيمًا بل دائرة: كل خطوة للأمام تقابلها خطوة مماثلة من الطرف الآخر، القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة تحولت من أدوات ردع إلى أهداف محتملة، والوجود العسكري صار يحمل معه مخاطره بقدر ما يحمل قوته.

أما الطاقة، فبدل أن تستجيب للوعود، استجابت للقلق، الأسواق لا تثق بالشعارات، بل بالإشارات، والإشارات كانت تقول: “عدم استقرار”، فارتفعت الأسعار، ليس عنادًا، بل ترجمة مباشرة للخوف.

وفي الداخل الأمريكي، بدأ النقاش يأخذ طابعًا فلسفيًا: هل يمكن إدارة العالم بعقلية الصفقات السريعة؟، أم أن بعض الملفات تحتاج صبرًا أطول من دورة انتخابية؟.

الخلاصة لم تعد مجرد نقد لسياسة، بل درس في طبيعة القوة نفسها: القوة ليست فقط في القدرة على الضغط، بل في معرفة متى تتوقف، وكيف تترك للآخرين مساحة للتراجع دون كسر.

كل سهم أُطلق كان دقيقًا في لحظة إطلاقه، لكنه في عالم معقد، الدقة لا تكفي، فالسهم لا يصيب فقط الهدف، بل يتأثر بالرياح، وبحركة الأرض، وبنية المسار كله.

وهنا، لم تكن المشكلة في إطلاق الأسهم، بل في افتراض أن السماء ساكنة.

رابط دائم : https://dzair.cc/7j4i نسخ

اقرأ أيضًا