بينما تترقب الجزائر زيارة تاريخية للبابا ليو الرابع عشر، تحمل في طياتها أبعاداً روحية وإنسانية تعكس دور الجزائر كأرض للتلاقي والحوار، تبرز من الضفة الأخرى للمتوسط تحركات فرنسية مثيرة للريبة، تحاول القفز على “قدسية” اللحظة لتحويلها إلى طوق نجاة لدبلوماسية باريس الغارقة في تناقضاتها.
دبلوماسية اللحظة الأخيرة: وساطة دينية لأجندة سياسية
لم يكن غريباً أن يُدرج الإليزيه زيارة خاطفة للرئيس إيمانويل ماكرون إلى الفاتيكان يومي 9 و10 أفريل، أي قبل 48 ساعة فقط من حطّ الرحال البابوي في أرض الشهداء. ففي العرف الدبلوماسي، الصدفة هي كلمة سر لتحركات مدروسة؛ وماكرون الذي يواجه خريفاً سياسياً مبكراً وتراجعاً حاداً في شعبيته مع اقتراب الاستحقاقات الرئاسية، يبدو أنه قرر المقامرة بورقة الفاتيكان لاستجداء وساطة ما في ملف قضائي جزائري سيادي بامتياز.
المستهدف بالوساطة هو المدعو “كريستوف غليز”، الذي تحاول الآلة الإعلامية الفرنسية تسويقه كـ “صحفي رياضي” ضلّ طريقه، بينما تكشف معطيات الملف القضائي الجزائري عن وجه آخر تماماً: وجه يتصل بخيوط تنظيم “الماك” الإرهابي ومخططات المساس بالوحدة الوطنية تحت غطاء “الوثائقيات” المضللة.
سقطة القنوات الخلفية: حين يختبئ الإليزيه خلف الجبّة البابوية
إن محاولة إقحام الفاتيكان في ملف إرهابي هي سابقة تعكس إفلاساً دبلوماسياً فرنسياً؛ فبدلاً من تقديم توضيحات رسمية حول احتضان باريس لقيادات حركة “الماك” المصنفة إرهابياً، وتسهيل تحركاتهم ضد أمن الجزائر، تلجأ باريس إلى الاستثمار في الوازع الديني للضغط على القضاء الجزائري.
هذا التوظيف الميكيافيلي لزيارة البابا يطرح تساؤلات جوهرية: هل يعتقد ماكرون أن سيادة الجزائر يمكن أن تكون محل تفاوض في صالونات روما؟ وهل يظن أن حصانة الكنيسة يمكن أن تمنح الشرعية لمن تسلل إلى ترابنا الوطني بهوية مزيفة لزرع بذور الانفصال والفتنة في منطقة القبائل الغالية؟
كريستوف غليز.. “حصان طروادة” الانفصال
يجب أن تدرك باريس أن قضية غليز ليست سوء تفاهم تقني حول تأشيرة، بل هي قضية أمن قومي. فالتواصل المباشر مع الرؤوس المدبرة للإرهاب الانفصالي، أمثال أكسيل بلعباسي، وتزوير الغرض من الزيارة، يسقطان أي “قدسية” إعلامية عن المهمة المشبوهة. إن اعترافات غليز المسجلة هي الرد الحاسم على محاولات تبييض صورته، والجزائر التي تحترم حرية التعبير، ترفض قطعاً أن تُستخدم هذه الحرية كـ “حصان طروادة” لضرب استقرار الدولة ومؤسساتها.
الجزائر.. السيادة فوق المزايدات الانتخابية
إن الرهان الفرنسي على إحراج الجزائر بزيارة البابا هو رهان خاسر. فالجزائر التي تستقبل الحبر الأعظم بكل تقدير، هي نفسها الجزائر التي لا تساوم في قضايا الإرهاب والسيادة. وعلى ماكرون أن يبحث عن مخارج لأزماته الداخلية بعيداً عن ملفاتنا القضائية، فعدالة الهاتف التي يمارسها البعض في باريس لا مكان لها في قصر العدالة بالجزائر.
ختاماً، إن زيارة البابا ليو الرابع عشر هي رسالة سلام للعالم، ولن تسمح الجزائر لأجندات الإليزيه المأزومة أن تُحوّل هذا الحدث التاريخي إلى غطاء لتهريب المتورطين في زعزعة أمنها. فالسيادة الجزائرية، مثلها مثل ثورة نوفمبر، كتابٌ مقدس لا يقبل التحريف أو المساومة.
