الثلاثاء 20 جانفي 2026

دراسة: التغلغل الاستخباراتي الصهيوني في العالم العربي: المغرب بوابة الاختراق

نُشر في:
دراسة: التغلغل الاستخباراتي الصهيوني في العالم العربي: المغرب بوابة الاختراق

لم يعد الحديث عن التغلغل الاستخباراتي الصهيوني في العالم العربي ضربًا من نظرية المؤامرة، ولا مادة للاستهلاك الدعائي، بل بات موضوعًا راسخًا في التحليل الأكاديمي والاستراتيجي، تؤكده الوقائع التاريخية، وتدعمه التطورات السياسية والأمنية المتسارعة في المنطقة. وفي هذا السياق، يبرز المغرب كنموذج صارخ لدولة تحوّلت، بفعل خياراتها السياسية، إلى إحدى أهم بوابات الاختراق الإسرائيلي للفضاء العربي والإفريقي.

أعمال الباحث الأردني وليد عبد الحي تقدّم قراءة جريئة ومقلقة لهذا المسار، إذ لا يتعامل مع العلاقات المغربية–الإسرائيلية بوصفها حدثًا طارئًا نتج عن اتفاق تطبيع حديث، بل يضعها ضمن سلسلة طويلة من التفاعلات الاستخباراتية السرية التي تعود إلى ستينيات القرن الماضي، أي إلى مرحلة كان فيها الكيان الصهيوني يبحث عن موطئ قدم داخل الجغرافيا العربية عبر الأنظمة الهشة أو الباحثة عن حماية خارجية.

من العلاقات السرية إلى التحالف المكشوف

وفقًا لهذه القراءات، فإن التعاون الاستخباراتي بين الرباط وتل أبيب لم يكن يومًا مجرد تبادل معلومات عابر، بل جزءًا من هندسة استراتيجية أوسع، رأت فيها إسرائيل في المغرب نقطة نفاذ مثالية إلى شمال إفريقيا والساحل، ومنصة لمراقبة التحولات داخل العالم العربي، بل وحتى التأثير فيها.

وتذهب بعض الروايات التاريخية، التي ناقشها عبد الحي وغيره من الباحثين، إلى حدّ الحديث عن أدوار استخباراتية حساسة لعبها المغرب خلال مراحل مفصلية من الصراع العربي–الإسرائيلي، شملت تسريب معطيات أو تسجيلات من قمم عربية. سواء أُخذت هذه الروايات بحرفيتها أم لا، فإن تكرارها وتداولها في مصادر متعددة يكشف عن صورة نمطية راسخة: نظام يقدّم نفسه شريكًا أمنيًا موثوقًا للعدو الصهيوني على حساب الإجماع العربي.

التطبيع: انتقال من الظل إلى العلن

جاء اتفاق التطبيع في ديسمبر 2020 ليُنهي مرحلة العمل في الظل، ويدخل العلاقات المغربية–الإسرائيلية طورًا جديدًا، أكثر خطورة ووضوحًا. لم يعد الأمر يقتصر على قنوات خلفية، بل أصبح تحالفًا أمنيًا وتقنيًا معلنًا، يشمل التعاون العسكري، وتبادل الخبرات الاستخباراتية، واقتناء تكنولوجيات مراقبة وتجسس متقدمة.

في هذا السياق، أثارت قضية برمجيات التجسس الصهيونية، وعلى رأسها “بيغاسوس”، جدلًا دوليًا واسعًا، ليس فقط بسبب انتهاك الخصوصية، بل لأنها كشفت كيف يمكن للتكنولوجيا الإسرائيلية أن تتحول إلى أداة سيطرة داخلية تُستخدم ضد الصحفيين والمعارضين والنشطاء، وتُوظَّف لتكريس نموذج أمني قائم على المراقبة الشاملة بدل الشرعية السياسية.

اختراق السيادة قبل اختراق الأمن

الخطير في هذا المسار، كما يحذّر عبد الحي، ليس فقط حجم التعاون الاستخباراتي، بل طبيعته البنيوية. فالتغلغل الإسرائيلي لا يتوقف عند حدود الأمن، بل يمتد إلى القرار السيادي نفسه، عبر التأثير في العقيدة الأمنية، وتوجيه الأولويات الاستراتيجية، وربما حتى إعادة تعريف “العدو” و“الصديق” داخل الوعي الرسمي.

هنا يتحول السؤال من: هل هناك تعاون استخباراتي؟ إلى:
إلى أي مدى ما زالت السيادة الوطنية محفوظة في ظل هذا التشابك؟
وهل يمكن لدولة تسمح لأجهزة أجنبية – معادية تاريخيًا للأمة العربية – بالنفاذ إلى مفاصل أمنها، أن تدّعي استقلال قرارها الاستراتيجي؟

المغرب كحالة والاختراق كخطر عربي شامل

ما يجري في المغرب لا يمكن عزله عن سياقه الإقليمي. إنه جزء من مشروع اختراق أوسع يستهدف تفكيك المنظومة العربية من الداخل، عبر تحويل بعض الأنظمة إلى شركاء أمنيين لإسرائيل، في مقابل حماية سياسية أو دعم خارجي ظرفي. والنتيجة هي تآكل مفهوم الأمن القومي العربي، وتحويل الخطر الصهيوني من عدو خارجي إلى شريك “شرعي” داخل البيت العربي.

في المقابل، تبرز دول ومجتمعات ما تزال ترفض هذا المسار، وتتمسك بمبدأ السيادة ووضوح البوصلة، معتبرة أن التطبيع الأمني والاستخباراتي ليس “خيارًا واقعيًا”، بل انزلاق استراتيجي ستكون كلفته باهظة على المدى المتوسط والبعيد.

إن النقاش حول التغلغل الاستخباراتي الإسرائيلي، كما يطرحه باحثون من وزن وليد عبد الحي، ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية وأمنية. فحين تصبح بعض العواصم العربية منصات مفتوحة للاختراق الصهيوني، فإن الخطر لا يهدد تلك الدول وحدها، بل يطال مجمل الأمن العربي.

وإذا كان المغرب قد اختار هذا المسار، فإن التاريخ لن يرحم، وستبقى الشعوب العربية قادرة على التمييز بين من صان السيادة، ومن حوّل بلده إلى بوابة خلفية لمشاريع لا تخدم إلا أعداء الأمة.

رابط دائم : https://dzair.cc/wx9x نسخ

اقرأ أيضًا