أكد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أن الجزائر دخلت مرحلة حاسمة على الصعيد الاقتصادي، عنوانها تسارع الاستثمار، تعميق الإصلاحات، والحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة، وذلك في خطاب شامل ومفصلي وجهه إلى الأمة أمام البرلمان بغرفتيه، بقصر الأمم بنادي الصنوبر، رسم فيه ملامح المرحلة المقبلة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
ديناميكية استثمارية وأرقام غير مسبوقة
وفي عرضه للوضع الاقتصادي، أبرز رئيس الجمهورية أن البلاد تشهد حركية استثمارية قوية تعكس تحولًا حقيقيًا في مناخ الأعمال، حيث بلغ عدد المشاريع الاستثمارية المسجلة نحو 19 ألف مشروع، بقيمة إجمالية تُقدّر بـ 8242 مليار دينار، ما سمح باستحداث نحو 500 ألف منصب شغل.
واعتبر أن هذه الأرقام تشكل مؤشرًا واضحًا على دخول الاقتصاد الوطني مرحلة جديدة، قائمة على تنويع مصادر النمو وتقليص التبعية للمحروقات.
وفي السياق ذاته، أكد أن قطاع الصناعة بات يساهم بنسبة 10 بالمائة في الناتج الداخلي الخام، مع طموح لرفع هذه النسبة إلى 13 بالمائة في المدى القريب، مشيرًا إلى أن الصناعة التحويلية أصبحت ركيزة أساسية في الاستراتيجية الاقتصادية للدولة.
تقدم في الأمن الدوائي والتجارة الإفريقية
وعلى صعيد الأمن الصحي، أوضح رئيس الجمهورية أن تغطية السوق الوطنية بالأدوية المنتجة محليًا بلغت 82 بالمائة، ما يعكس، حسبه، نجاح سياسة دعم الإنتاج الوطني وتقليص فاتورة الاستيراد.
كما نوه بالنجاح الذي حققه معرض التجارة البينية الإفريقية الذي احتضنته الجزائر شهر سبتمبر الماضي، مؤكدًا أن نتائجه “كانت باهرة” وأسهمت في تعزيز صورة الجزائر كوجهة استثمارية واعدة داخل القارة.
التزام بالحوار السياسي والإصلاح المؤسساتي
سياسيًا، جدد رئيس الجمهورية التزامه بإطلاق حوار سياسي مع الأحزاب، مشددًا على أن هذا الحوار سيُباشر فور مصادقة البرلمان على قانون الأحزاب الجديد. وأكد أن الحوار سيكون “بناءً”، وأن الدولة ملتزمة بتطبيق كل ما يتم الاتفاق عليه، في إطار احترام المؤسسات وتعزيز الممارسة الديمقراطية.
الدولة الاجتماعية… خيار لا رجعة فيه
وفي رسالة واضحة، شدد رئيس الجمهورية على أن الجزائر لن تتخلى عن طابعها الاجتماعي، معتبرًا أن هذا الخيار متجذر في بيان أول نوفمبر 1954 وفي تضحيات الشهداء.
وأكد أن المساعدات الاجتماعية الموجهة للفئات البسيطة حق مكتسب لا يمكن المساس به، مذكرًا ببرامج الدولة في مجالات السكن، التعليم، الصحة والدعم الاجتماعي، ومبرزًا أن الجزائر تعد من الدول القليلة التي لا تزال تحافظ على سياسة اجتماعية واسعة النطاق.
إصلاحات مستمرة ومحاربة صارمة للفساد
وفي حديثه عن الإصلاحات، أكد رئيس الجمهورية أن الدولة ماضية في مسار الإصلاح الشامل رغم محاولات التشويش من الداخل والخارج، مشددًا على أن العدالة ستظل بالمرصاد لكل مظاهر الفساد والإخلال بالواجب، مع توفير الحماية لإطارات الدولة النزهاء.
كما ذكر بمراجعة القانون الأساسي للقضاء، في إطار تحسين ظروف عمل القضاة وتعزيز استقلالية العدالة.
مشاريع استراتيجية في الجنوب: الماء، المناجم والطاقة
تنمويًا، أعلن رئيس الجمهورية عن الشروع الفوري في إنجاز مشروعين لتزويد ولايتي تندوف وتمنراست بمياه الشرب، في خطوة تعكس، حسب متابعين، أولوية التنمية المتوازنة والعدالة المجالية.
وفي ملف المناجم، أكد أن منجم غارا جبيلات أصبح واقعًا ملموسًا، واصفًا إياه بأنه ثالث أكبر منجم حديد في العالم، وكشف أن أول قطار منجمي سيصل من غارا جبيلات إلى وهران نهاية شهر يناير المقبل.
كما تحدث عن مشروع الفوسفات ببلاد الحدبة شرق البلاد، مؤكدًا أن الجزائر تتجه إلى مضاعفة قدراتها الإنتاجية خمس مرات، مع ضمان نقل آمن ومنظم.
وفي مجال الطاقات المتجددة، أبرز رئيس الجمهورية ما حققته الجزائر من تقدم، مؤكدًا أن هذا القطاع يمثل رهانًا استراتيجيًا للمستقبل.
مرحلة جديدة بخيارات واضحة
خطاب رئيس الجمهورية، بما تضمنه من أرقام والتزامات وقرارات، يعكس – وفق قراءة متقاطعة لمتابعين اقتصاديين وسياسيين – انتقال الجزائر من مرحلة إعادة التوازن إلى مرحلة البناء الهيكلي، حيث يتقاطع الاستثمار مع الإصلاح، وتلتقي التنمية الاقتصادية مع الحفاظ على البعد الاجتماعي للدولة، في محاولة لترسيخ نموذج تنموي وطني أكثر استدامة.
