أعادت الهجمات الأخيرة التي استهدفت خطوط الإمداد البري في مالي تسليط الضوء على حجم التحديات الأمنية التي تواجهها المنطقة، في ظل مشهد سياسي متبدل وتحالفات إقليمية جديدة تحاول السلطة الانتقالية في باماكو رسم معالمها.
وحسب ما أوردته وكالة الأنباء الألمانية ومصادر ميدانية، فقد قام مسلحون يتبعون لما يسمى “جبهة تحرير ماسينا” بإحراق 6 شاحنات تجارية مغربية ببلدة “جمجومة” على المحور الرابط بين الحدود الموريتانية والعاصمة باماكو. الهجوم الذي تم توثيقه بمقاطع فيديو أظهر استهدافاً مباشراً للمؤن والمواد الغذائية، في خطوة تهدف لتشديد الحصار على العاصمة المالية.
ثمن الرهان على الاستقرار المفقود
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد الميداني يضع التحركات الدبلوماسية الأخيرة في المنطقة على المحك؛ ففي الوقت الذي سعت فيه الرباط لتعزيز تقاربها مع المجلس العسكري الحاكم في باماكو — وهو التقارب الذي تجلى في مواقف سياسية لافتة من الطرفين حول ملفات إقليمية حساسة — يصطدم هذا الرهان بواقع أمني متردٍّ يعجز فيه المجلس الانتقالي عن تأمين شرايين التجارة الدولية التي يعتمد عليها المغرب للوصول إلى أسواق غرب إفريقيا.
إن استهداف الشاحنات المغربية، وقبلها السنغالية والموريتانية، يبعث برسالة قوية حول هشاشة الوضع الأمني في مالي، ويؤكد أن الانفتاح السياسي والاقتصادي على السلطة الحالية في باماكو لا يمكن أن يشكل ضمانة كافية لحماية المصالح التجارية في ظل فقدان السيطرة على مساحات شاسعة من البلاد لصالح الجماعات المسلحة.
باماكو.. بين ضغط الميدان وطموح الدبلوماسية
تأتي هذه الأحداث لتؤكد صوابية التحذيرات من أن المقاربات المبنية على التحالفات الظرفية قد تصطدم سريعاً بسياسة الأرض المحروقة التي تنتهجها الجماعات المتطرفة (مثل حركة ماسينا) لضرب العمق الحيوي للعاصمة.
وبينما كانت باماكو والرباط تطمحان لتكريس واقع جيوسياسي جديد، تفرض الوقائع الميدانية نفسها لتثبت أن ثمن الاستقرار في الساحل يتطلب مقاربات شاملة تتجاوز المصالح الضيقة، خاصة وأن استهداف قوافل الإمداد هو مؤشر واضح على أن المنطقة لا تزال تعيش حالة من السيولة الأمنية التي تهدد كافة الرهانات الإقليمية القائمة على استقرار مالي المتعثر.
