لم يعد الحديث عن “الدولة الاجتماعية” في المغرب سوى صدى لوعود جوفاء تصطدم يومياً بصخرة الواقع المرير الذي تكابده الفئات الهشة؛ فمن قلب العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، وتحديداً من “دوار العسكر”، انبعثت صرخة استغاثة برلمانية وحقوقية تعري الوجه القادم لسياسات “التهجير القسري”. القضية التي فجرتها النائبة نبيلة منيب، لم تعد مجرد نزاع عقاري، بل تحولت إلى محاكمة أخلاقية لنظام يختار الهراوة لغةً للحوار مع مواطنيه، ويستبدل مكافأة الخدمة الوطنية بأوامر الإخلاء التعسفية نحو المجهول.
عقيدة الإقصاء: حين تُنتهك الهبات وتُداس الكرامة
المفارقة الصارخة في ملف “دوار العسكر” تكمن في كونه يقام على أرض هي في الأصل “هبة” مخصصة لعائلات الجنود، ما يجعل من التدخل الأمني العنيف لإخلائهم نكراناً للجميل وسقوطاً أخلاقياً مدوياً. إن اللجوء إلى الأساليب البدائية في الترحيل، دون تقديم بدائل منصفة أو مراعاة للوضعية الاجتماعية المتدهورة، يكشف أن الأولوية لدى مراكز القرار ليست توفير السكن اللائق، بل استرداد الوعاء العقاري بأي ثمن لتقديمه قرباناً لحيتان العقار والمضاربين الذين يقتاتون على مآسي الفقراء.
المقايضة المستحيلة: 10 ملايين سنتيم مقابل حق دستوري
كيف يمكن لمنظومة تتبجح بـ “النهوض الاجتماعي” أن تفرض على أسر تعيش تحت خط الفقر دفع مبالغ تعجيزية (10 ملايين سنتيم مغربي) كشرط للحصول على سكن بديل؟ إن هذه المقايضة ليست سوى شكل من أشكال التعجيز الممنهج لدفع السكان نحو الهشاشة المطلقة والتشرد. إن غياب الإحصاء الرصين والتخطيط العشوائي الذي نددت به القوى الحية، يثبت أن المواطن المغربي في هذه المنظومة المخزنية هو الحلقة الأضعف، وأن حقوقه في السكن والكرامة تُنتهك جهاراً نهاراً تحت مسميات التنمية المزعومة.
زيف “الدولة الاجتماعية”: استثمار في الإسمنت لا في البشر
تأتي صرخة “منيب” لتضع الإصبع على الجرح النازف في جسد السياسات العمومية؛ فلا يمكن بناء دولة اجتماعية على أنقاض بيوت المقهورين وتضحيات الجنود البسطاء. إن المشاهد القاسية لعمليات الإخلاء القسري، التي طالت المدينة القديمة بالبيضاء وقبلها أحياء عديدة، تعطي الانطباع بأن هناك استهدافاً طبقياً واضحاً يرمي إلى تصفية الوجود التاريخي للفئات الكادحة في المناطق الاستراتيجية. إن غياب آليات جبر الضرر وتفشي سياسة الإفلات من العقاب للمتلاعبين بالمال العام، يؤكد أن المنظومة تعمل بآليات الزجر والردع ضد الضعفاء والتحفيز للنافذين.
إن قضية “دوار العسكر” هي المرآة التي يرى فيها المتابع حقيقة العدالة الاجتماعية المتعثرة في المغرب. إنها قصة نظام يقدس المظاهر العمرانية ويحتقر الإنسان، ويحول الحقوق الأساسية إلى بضاعة خاضعة للمساومة. والرسالة اليوم واضحة: الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالهراوات وتشريد العائلات، بل بالإنصاف الذي يضع كرامة المواطن فوق كل اعتبار مادي. فهل يستفيق المخزن من غيبوبة القوة، أم أن تراكم المظالم سيجعل من هذه الأحياء المقهورة أيقونة لرفض سياسة الأمر الواقع؟
