دخلت الأزمة بين وزارة العدل المغربية والهيئة الوطنية للعدول نفقاً مسدوداً، بعد إعلان المهنيين عن “توقف شامل وعام” عن العمل ابتداءً من يوم الإثنين 13 أبريل الجاري. هذه الخطوة التصعيدية، التي تهدف إلى شلل كافة الخدمات التوثيقية عبر ربوع المملكة، تأتي كتعبير صارخ عن الرفض المطلق لمسودة مشروع القانون رقم 16.22، الذي تعتبره الهيئة “ردّة حقوقية” وضرباً لكرامة المهنة.
إضراب مفتوح.. حين يتحول التشريع إلى أداة إقصاء
لم يكن قرار الإضراب المفتوح وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لسلسلة من الخطوات الإنذارية التي قادها أصحاب البدلات السوداء، من إضرابات أسبوعية ووقفات احتجاجية أمام البرلمان. ويرى مراقبون أن إصرار العدول على التوقف عن العمل يعكس حجم “الغبن” المهني تجاه نص قانوني صاغته الوزارة بعيداً عن مقاربة التشارك، متجاهلةً التعديلات الجوهرية التي قدمتها الهيئة والفرق البرلمانية من الأغلبية والمعارضة على حد سواء.
العدول، ومن خلال بيانهم الناري، وضعوا النقاط على الحروف حين تحدثوا عن وجود “تضارب في المصالح” أثّر على استقلالية القرار التشريعي، في إشارة مبطنة إلى “تغول” لوبيات مهنية أخرى تحاول الاستفراد بقطاع التوثيق وتحجيم دور العدول الذين يعتبرون “حماة الأمن التعاقدي” تاريخياً في المغرب.
13 أبريل: وقفة الغضب أمام قبة البرلمان
بالتزامن مع انطلاق الإضراب المفتوح، يعتزم العدول تنظيم وقفة احتجاجية “زلزالية” أمام مقر البرلمان بالرباط يوم 13 أبريل. هذه الخطوة تهدف إلى نقل المعركة من أروقة وزارة العدل إلى المؤسسة التشريعية، في محاولة لإحراج حكومة المخزن ودفع رئيسها للتدخل المباشر لفتح قنوات حوار حقيقية، بعيداً عن “سياسة الهروب إلى الأمام” التي تنتهجها الوزارة الوصية.
مطالب السيادة المهنية وروح الدستور
يرتكز خطاب الهيئة الوطنية للعدول على ضرورة ملاءمة مقتضيات القانون الجديد مع روح دستور 2011 وتوصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة. فالمطالب لا تقتصر على جوانب تقنية، بل تتعلق بـ “الكرامة المهنية” ورفض أي تشريع يكرس التبعية أو يضعف من صلاحيات العدل في التوثيق.
واعتبرت الهيئة أن استمرار الوزارة في تجاهل مطالبهم لا يضرب مصداقية المؤسسة التشريعية فحسب، بل يهدد الاستقرار القانوني للمعاملات والعقود التي يبرمها المواطنون، محملين سلطات المخزن المسؤولية الكاملة عن تبعات هذا الشلل الذي سيصيب المصالح الحيوية للمغاربة.
كرامة المهنة فوق كل اعتبار
يبقى السؤال المطروح: هل ستستمر وزارة العدل في تعنتها ومحاولة فرض “أمر واقع” تشريعي يرفضه أهل الاختصاص؟ أم أن ضغط الشارع المهني وقوة “انتفاضة 13 أبريل” ستجبر حكومة المخزن على مراجعة حساباتها؟
الأكيد أن “كرامة المهنة ليست للمساومة” كما جاء في بيان الهيئة، وأن قطاع العدالة بالمغرب يعيش فصلاً جديداً من فصول الصراع بين إرادة التغيير الديمقراطي وبين “جيوب المقاومة” التي تحاول إبقاء القوانين رهن أجندات فئوية ضيقة.