لم يعد شهر أفريل في المغرب مجرد محطة سنوية روتينية للحوار الاجتماعي، بل استحال هذا العام إلى “اختبار قوة” حقيقي بين حكومة “التكنوقراط” المخزنية والقواعد العمالية التي وصلت إلى مرحلة الغليان. المراسلة الأخيرة التي وجهتها “الكونفدرالية الديمقراطية للشغل” إلى وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح علوي، لم تكن مجرد طلب تقني لتأجيل اجتماع، بل هي “صرخة تحذير” استباقية من انفجار اجتماعي وشيك تغذيه الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
المعادلة الصعبة: أجور جامدة وأسعار خارج السيطرة
إن ربط النقابة بين ملف “التقاعد” وبين ضرورة “الزيادة العامة في الأجور والمعاشات” يعكس وعياً عميقاً بحجم المأزق الذي يعيشه الأجير المغربي. ففي الوقت الذي تطير فيه أسعار المواد الأساسية إلى مستويات قياسية، تجد الشغيلة نفسها أمام “مقصلة” مزدوجة: ثبات الدخل من جهة، ومخططات حكومية تهدف إلى تمرير “إصلاح مقياسي” للتقاعد يفرض العمل لسنوات أطول وبمساهمات أكبر مقابل معاشات هزيلة. إنها معادلة “الربح الصافي” للميزانية على حساب “الاستنزاف الصافي” لكرامة المتقاعد والأجير.
لعبة “تأجيل الصدام”: الحوار الاجتماعي كطوق نجاة
تأتي مطالبة “الكونفدرالية” بتأجيل مناقشة ملف التقاعد إلى حين انعقاد دورة الحوار الاجتماعي في أبريل 2026، لتقطع الطريق على أي محاولة لـ “تهريب” القرارات المصيرية في لجان تقنية مغلقة. النقابة تدرك أن ملف التقاعد لا يمكن فصله عن “السلم الاجتماعي” العام؛ فكيف يمكن الحديث عن “إصلاح الصناديق” في ظل بيئة اجتماعية محتقنة يرى فيها المواطن أن “إفلاس الصناديق” هو نتيجة سوء تدبير تاريخي لا يجب أن يؤدي فاتورته من كدحه اليومي.
“إصلاح المكاتب” واصطدامه بواقع “الزنقة”
المفارقة الصارخة في المشهد المغربي تكمن في الفجوة بين لغة “الأرقام الماكرو-اقتصادية” التي تتحدث بها حكومة المخزن، وبين “قفة المواطن” التي أصبحت فارغة. الرفض القاطع لأي إصلاح يكون على حساب الأجراء هو “خط أحمر” تضعه المركزيات النقابية أمام حكومة تُتهم بالانحياز للوبيات المال. إن رهان السلطة على “الصمت” أو “التسويف” قد لا يصمد كثيراً أمام تسونامي الغلاء الذي لم يترك للمغاربة ترف الانتظار، مما يجعل من دورة أبريل الحالية “الفرصة الأخيرة” لنزع فتيل أزمة اجتماعية قد تتجاوز حدود مكاتب الحوار لتستقر في الشارع.
إن المغرب اليوم لا يحتاج إلى “حلول تقنية” جافة لملف التقاعد، بل إلى “إرادة سياسية” شجاعة تعيد الاعتبار للعدالة التوزيعية. الزيادة في الأجور والمعاشات لم تعد ترفاً أو مطلباً فئوياً، بل أصبحت “صمام أمان” لاستمرار التماسك الاجتماعي. وإذا استمر المخزن في تقديم “الإصلاحات الموجعة” كحل وحيد للأزمات، فإنه يخاطر بفقدان ما تبقى من ثقة لدى الطبقة العاملة، التي بدأت تشعر بأنها “الحلقة الأضعف” في مغرب يريد التحديث على حساب كادحيه.
