تأتي مشاركة الجزائر في النسخة الثانية للقاء قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط بالعاصمة الليبية طرابلس، لتعكس عمق الالتزام الجزائري باستقرار الجوار الإقليمي في ظل سياقات دولية بالغة التعقيد.
وقد حملت كلمة العميد عباس إبراهيم، المدير المركزي لأمن الجيش، دلالات استراتيجية قوية، حيث لم تكن مجرد عرض تقني للتعاون الأمني، بل صياغة لرؤية شاملة تربط بين سيادة الدول وبين التحديات العابرة للحدود، مؤكدة أن أمن الجزائر ليس جزيرة معزولة، بل هو حلقة وثيقة الصلة باستقرار المحيط المغاربي والإفريقي بأسره.
لقد ركزت المقاربة الجزائرية، التي عرضها الوفد العسكري رفيع المستوى، على خطورة التدهور الأمني غير المسبوق الذي تشهده القارة الإفريقية، لاسيما في منطقة الساحل والقرن الإفريقي.
وحذر العميد عباس إبراهيم من تنامي بؤر التوتر التي تحولت إلى بيئة خصبة للجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة، مشيراً إلى الارتباط العضوي بين الإرهاب والأنشطة غير القانونية كالتهريب، والاتجار بالبشر، والتنقيب غير الشرعي عن الذهب. هذه التحذيرات تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في مواجهة ظواهر لم تعد تهدد استقرار الدول فحسب، بل تمس تماسك المجتمعات وهياكلها السياسية والاقتصادية.
وفي شق المبادرة والحلول، استحضرت الجزائر رصيدها التاريخي والدبلوماسي في تجفيف منابع تمويل الإرهاب، مذكرةً بدورها المحوري في استصدار اللائحة الأممية رقم 1904 المتعلقة بتجريم دفع الفدية.
كما شدد المدير المركزي لأمن الجيش على ضرورة تفعيل وتطوير آليات العمل المشترك، وفي مقدمتها “لجنة الأركان العملياتية المشتركة” (CEMOC) التي تحتضن الجزائر مقرها، داعياً إلى تكييف مهامها لتكون أكثر فاعلية ميدانياً في منطقة الساحل والصحراء.
إن هذا الطرح يعكس رغبة الجزائر في الانتقال من التنسيق الاستخباراتي النظري إلى المرافقة العملياتية التي تضمن حماية الحدود المشتركة وتأمين مسارات التنمية.
إن الرسالة التي وجهتها الجزائر إلى شركائها الإقليميين والدوليين من جيران ليبيا والساحل، هي رسالة تضامن مبنية على السيادة والندية. فالدعم الجزائري للأشقاء في ليبيا يتجاوز الخطاب الدبلوماسي التقليدي ليصل إلى مستوى الشراكة الأمنية المتكاملة، إيماناً بأن استعادة ليبيا لعافيتها ومؤسساتها هي الركيزة الأساسية لأمن المنطقة المتوسطية.
ومن خلال هذا اللقاء، تؤكد المؤسسة العسكرية الجزائرية مجدداً أنها تظل صمام أمان إقليمي، يجمع بين الخبرة الميدانية في مكافحة الإرهاب وبين الرؤية السياسية الرصينة التي ترفض التدخلات الخارجية وتؤمن بالحلول النابعة من رحم المنطقة.
