لطالما عُرفت الدولة الفرنسية بمركزية قرارها، خاصة في ملفاتها السيادية الخارجية، غير أن المتابع للمسار الأخير للعلاقات مع الجزائر يلحظ تحولاً مثيراً للقلق؛ حيث لم نعد أمام “سياسة دولة” موحدة، بل أمام جزر مؤسساتية معزولة يتصادم بعضها مع بعض، ما يضع باريس في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية ومصالحها الاستراتيجية.
تسييس القضاء وتقويض الدبلوماسية
إن قرار القضاء الفرنسي الأخير بتمديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يتجاوز كونه إجراءً قانونياً تقنياً؛ إنه يعكس غياب التنسيق السياسي في أعلى هرم السلطة. فبينما كانت القنوات الدبلوماسية والأمنية الرسمية تحاول جاهدة ترميم جسور الثقة عبر زيارات واتصالات رفيعة المستوى، جاء التحرك القضائي ليجهض هذه الجهود.
هذا الإجراء لا يمثل مجرد “تعنت قضائي”، بل هو انزلاق نحو تصعيد عدائي يتناقض تماماً مع بوادر الانفراج التي لوحظت مؤخراً، ويضع فرنسا في موقف “الواعظ” الذي ينتهك حقوق الإنسان التي يروج لها.
إنّه تضارب في القرار المؤسساتي يوحي بأن مراكز القوى داخل الإدارة الفرنسية لم تعد تتحدث لغة واحدة، وأن هناك أطرافاً تصر على استخدام الملفات القضائية كأدوات للضغط السياسي، ضاربة عرض الحائط بالحصانات الدبلوماسية المقررة في الاتفاقيات الدولية.
فبينما كان وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يمد حبال التواصل عبر اتصالاته بنظيره الجزائري أحمد عطاف، وبينما كانت زيارة وزير الداخلية لوران نونيز إلى الجزائر تعطي إشارات “دفء” ديبلوماسي، يأتي قرار القضاء ليعيد الأمور إلى نقطة الصفر. إنها “دبلوماسية انفصام” بامتياز، حيث تمتد يد للمصافحة بينما تضغط الأخرى على الزناد، مما يكشف عن تفتت واضح في مراكز القرار وغياب “قائد طائرة” حقيقي يضبط بوصلة العلاقات الفرنسية مع شريك استراتيجي كالجزائر.
غياب الرؤية الموحدة
إن الإبقاء على موظف ديبلوماسي رهين اتهامات واهية، مبنية على شهادات مشبوهة لعناصر جندتها الأجهزة الفرنسية، يضرب مصداقية الدولة الفرنسية في مقتل. باريس اليوم مطالبة بالإجابة على سؤال جوهري: من يحكم فعلياً ويضع الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الفرنسية؟؟ وهل أصبحت السياسة الخارجية رهينة “أجنحة” متصارعة داخل الإدارة الفرنسية؟
إن حالة التباين بين خطاب “التهدئة” لوزارة الخارجية والتحركات “الصدامية” لمؤسسات أخرى تكشف عن أزمة قيادة في إدارة الملف الجزائري.
هذا الارتباك لا يربك الشريك الجزائري فحسب، بل يُفقد فرنسا هيبتها كطرف دولي رصين قادر على الوفاء بتعهداته. إن بناء الشراكات الاستراتيجية يتطلب وضوحاً في الرؤية وثباتاً في المواقف، وهو ما يغيب تماماً عن المشهد الحالي في باريس.
إن الاستمرار في هذا النهج الارتجالي وفي إدارة العلاقات مع الجزائر بعقلية “الأجنحة المتصارعة” لا يهدد فقط مسار التطبيع مع الجزائر، بل يضع باريس في عزلة ديبلوماسية ويفقدها صفتها كشريك رصين يحترم تعهداته الدولية.
هذا المسار العبثي سيؤدي حتماً إلى طريق مسدود. على صانع القرار في باريس أن يدرك أن استعادة الثقة لا تمر عبر ازدواجية المعايير، بل عبر استعادة وحدة القرار وتغليب لغة المصالح الاستراتيجية على الحسابات الضيقة لبعض الدوائر التي لا تزال تنظر إلى الجزائر بمنظور تجاوزته الأحداث.
