فريد بغداد يكتب لليافعين أولى رواياته.. “لا.. لن أتخلى عن أرض الأجداد”

صدر حديثاً عن «دار أدليس» أول عمل أدبي للكاتب فريد بغداد بعنوان «لا.. لن أتخلى عن أرض الأجداد» وهو  رواية لليافعين تسرد بقدر كبير من الرمزية حلم العودة التي يتوق إليها الشعب الفلسطيني المهجّر، وهو يتحقق بالنسبة لعائلة فلسطينية تعود إلى أرضها بعد أن اشتراها الأب من حفيد مغتصبها بشكل غير مباشر ودون علمه بهويّته، ويكشف تسلسل أحداث الرواية عن صراع الإبن البكر لهذه العائلة مع الظروف الحياتية الصعبة التي أضحت تواجهها بعد رحيل الأب عنها، وكذلك مع حفيد مغتصب أرض أجداده بعد ظهوره المفاجئ.

يستعيد سعيد الخليلي مزرعة في خربة الصّفا بفلسطين المحتلة، كان قد اغتصبها صهيوني من جدّه بعدما طرده منها، لم تتم سعادة ابنه سمير بينما كان يرى والده منتشيا بحفر بئر ليسقي مزروعاته وبستانه، وهو يعيش فرحة العودة إلى أرض الأجداد مع عائلته، حتى فاجأته منيته بعد أن انهال عليه تراب البئر ودفنه بداخله.

بعد استخراج الأب من الردم ودفنه، يجد سمير نفسه وهو لا يزال في المرحلة الثانوية مسؤولا عن والدته وأخته سلمى، لا يعرف كيف يعتني ببستان المزرعة، وفي الوقت نفسه عليه أن يتمّ أمنيته بأن يلج الجامعة ليدرس الأدب العربي ويصبح روائيا، كي يحقق حلمه في إيصال مأساة الشعب الفلسطيني ومعاناته مع الاحتلال للعالم، ويصوّر الكاتب فريد بغداد هذا الموقف الدرامي في روايته بهذا المقتطف المؤثر:

“…ومن تحت تراب البئر في الغداةِ شيّعنا أبي إلى ثرى القبر، مثواهُ الأخير، بعد يوم من الحفر المتواصل ليل نهار. مات أبي وتركني وأمّي وأختي الأصغر منّي بدونه، ذهب من كان يصنع لنا بهجة الحياة من عرقه وكدّه إلى غير رجعة، كان رحيله قاسيا علينا نحن الثّلاثة، كنت أرى ذلك في عيني أمّي التي بدت ذاويةً كزهرة ذابلة اقتلعتها ريح عاتية من غُصنٍ متين، كانت تستند عليه وتستريح فوقه بأمان، لكنّ العاصفة كسرته، كُنت أشعرُ بآلامها وهي تنوءُ مرغمةً بما كان أبي يُغنيها عن حمله، غادرتِ البسمة شفاهها المرتجفة منذ تلك اللّحظة التي أيقنتْ فيها بوفاته، فأصبح الجُهد جهدان؛ تعبٌ في البيت ومعاناةٌ في المزرعة…”

يلقى سمير مساعدة من أصدقائه في العناية بالبستان، كما أنه لا يتوانى في مساعدة والدته في توفير دخل بسيط لتواجه به متطلبات الحياة اليومية المتزايدة، يجد دعما من أقرب أصدقائه؛ مروان، الذي يقف إلى جانبه على الدوام.

تتعرض عائلة سمير لاستفزازات ابن الصهيوني الذي استعاد منه والده سعيد المزرعة، حال عودته من بولونيا أين رحل أبوه الغاصب الذي غادر فلسطين المحتلة، يلتف حول سمير أصدقاؤه لمنع الصهيوني من أن يخرّب بيته وبستان الزيتون، ويسطّروا خلال هذا الموقف ملحمة رائعة من المقاومة والصّمود في وجه غطرسة هذا المستوطن الغاصب.

في الأخير ينجح سمير في تحقيق حلمه، ويكتب أولى رواياته التي يقتبسها من الأحداث التي عايشها في مزرعتهم، منذ أن رحل إليها من مدينة الخليل قبل ثلاث سنوات وإلى أن ينجح في حماية أرض أجداده من أن تغتصب مرة أخرى، وتحقّق الرواية رواجا كبيرا فقد أحدثت ظروف صدورها صدى وتعاطفا عالميا، يمكّنه ذلك من تحقيق حلمه في إيصال معاناة الفلسطينيين مع الاحتلال إلى مناطق واسعة من العالم.

هدف الرواية الأساسي هو ترسيخ روح التشبث بالأرض والمقدسات لدى الناشئة في العالم العربي، ومقاومة مشاريع الاحتلال الصهيوني، من تهويد وسلخ للهوية العربية الإسلامية لفلسطين وشعبها.

مقتطف من الرواية:

“… أَخرُج كلّ يوم هائما على وجهي لا أدري ما يجب عليّ القيام به، المزرعةُ تحتاج إلى همّة رجل في مثل سنّ أبي وقوّته، يتفرّغ كليّة لمتطلّباتها، وأنا لا أزال فتًى يافعا أدرس بالثانويّة لديّ أحلامي وطموحاتي في أن أُكمل تعليمي وأُنهي مساري الدّراسي، إلى غاية أن أتخرّج من معهد الأدب العربيّ في الجامعة كما أتخيّل نفسي دائما، ماذا عساي أن أفعله وأمّي ليس بمقدورها القيام بما كان أبي يكفينا همّه؟ ما الذي بِيدي أن أقدّمه ونحن في أمسّ الحاجة إلى مَورد رزق يجنّبنا تَكَفُّفَ النّاس وسؤالهم المعونَةَ والمساعدة، لم يكن شبح الفقر وحده من يتراقصُ بين ناظريّ حينما أفكّرُ في الأمر، ماذا لو فشلتُ في الحفاظ على أرض أبي التي قاسى من أجلها وعانى حتى استرَدّها من الغاصبين، كيف سيكون عليه الحال إن أنا لم أنجح في صون الأمانة وحِفظ الوديعة؟…”

أحمد عاشور

شارك المقال
  • تم النسخ
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)