في توقيت يثير الكثير من التساؤلات، وبالتزامن مع بلوغ الاحتقان النقابي والطلابي ذروته في الشارع المغربي، أطلقت الآلة الأمنية للمخزن بروباغندا جديدة تحت مسمى “تفكيك خلية إرهابية”. ففي بلاغ صادر عن المكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ)، تم الإعلان عن توقيف ستة أشخاص في القنيطرة والدار البيضاء، لكن المثير للسخرية في تفاصيل الرواية الرسمية هو “تضخيم” الأنشطة الإجرامية التقليدية وإلباسها لبوس “التطرف والفيء” لتسويق نجاحات أمنية وهمية.
من عصابة ماشية إلى “خلايا إرهابية”: سحر التوصيف المخزني
يكشف التدقيق في معطيات البحث أن “النشاط الإرهابي” المزعوم لهذه المجموعة لا يتعدى كونه “سرقة وسطو على مستودعات تربية الماشية” في المناطق القروية. فالمشتبه فيهم، بحسب البلاغ نفسه، انخرطوا في سرقة الأغنام وتصريفها في أسواق جمعة سحيم وخميس الزمامرة. وهنا يطرح السؤال: منذ متى أصبحت سرقة الكباش نشاطاً يستدعي تدخل أجهزة مكافحة الإرهاب والنيابة العامة المختصة؟ إن إقحام مصطلحات “الفيء والاستحلال” على جرائم الحق العام يعكس رغبة أمنية جامحة في الحفاظ على مبررات وجود شرطة المخابرات واستنزاف الميزانيات تحت ذريعة مكافحة التطرف.
توقيت مشبوه لتغطية فشل “حوار أبريل”
لا يمكن فصل هذا الإعلان الأمني عن السياق السياسي المتفجر؛ فالنظام المغربي الذي يواجه مقصلة المطالب النقابية في جولة أبريل، وتهديدات الانفجار الاجتماعي بسبب الغلاء، يحتاج دوماً إلى “عدو شبحي” لترهيب الداخل واستعطاف الخارج. إن تحويل “لصوص أغنام” إلى “متطرفين” يهدف بالأساس إلى صرف الأنظار عن فضائح الفساد في القنيطرة ونهب المال العام في مراكش، وإيهام المجتمع الدولي بأن المخزن هو الحصن الوحيد ضد الإرهاب، حتى لو كان هذا الإرهاب يستهدف الحظائر والزرائب القروية.
أسلحة بيضاء وقفازات.. هل هذه ترسانة داعش؟
يتحدث البلاغ بفخر عن حجز “أسلحة بيضاء وأدوات حادة وراضة وقناع لإخفاء الهوية”، وهي أدوات تقليدية توجد بحوزة أي عصابة سرقة عادية في ريف المغرب. إن محاولة تصوير هذه الخردة كتهديد للأمن القومي تعكس الإفلاس في صناعة العدو. فالمخزن الذي يعجز عن توفير الكرامة لمواطنيه، يبرع في صناعة الأوهام الأمنية، محولاً الجرائم الناتجة عن الفقر والتهميش في القنيطرة وسيدي سليمان إلى “مشاريع إرهابية” عابرة للحدود.
ويجدد هذا “التفكيك” المتلفز التأكيد على أننا أمام فصل جديد من فصول “مسرحية الاستثناء الأمني” المغربي. إن تصوير لصوص المواشي كمتطرفين هو إهانة لذكاء الشعب المغربي الذي يدرك أن الإرهاب الحقيقي هو الغلاء، والفساد، والريع الذي يمارسه أباطرة المخزن. وبينما تستمر التحقيقات لترتيب الخلفيات المتطرفة، يظل المواطن البسيط يواجه إرهاب الجوع الذي لا تنفع معه بلاغات المكتب المركزي للأبحاث القضائية. يبدو أن المخزن قد قرر هذه المرة أن يُطعم شعبه كوابيس الإرهاب بدل الخبز والكرامة.
