الجمعة 10 أفريل 2026

قانون “إعدام الأسرى” يكشف الوجه الاستعماري للكيان الصهيوني ويعرّي زيف دعاوى الديمقراطية… بقلم د. هناء سعادة

نُشر في:
بقلم: د. هناء سعادة
قانون “إعدام الأسرى” يكشف الوجه الاستعماري للكيان الصهيوني ويعرّي زيف دعاوى الديمقراطية… بقلم د. هناء سعادة

في خطوة جديدة تُضاف إلى سجلّ طويل من التشريعات العنصرية، أقرّ “الكنيست” الصهيوني قانون “إعدام الأسرى” الفلسطينيين، في تأكيدٍ فجّ على الطبيعة الاحتلالية للكيان الصهيوني، وعلى هوية سياسية وقانونية لا ترى في الفلسطيني إلا هدفًا للملاحقة والتجريد من أبسط حقوقه، وفي مقدمتها الحق في الحياة.

فالقانون، على ما يبدو، ليس مجرد أداة تشريعية ظرفية، بل ترجمة صريحة لبنية استعمارية تعتبر القمع امتيازًا، والعقاب الجماعي سياسة، والإلغاء الجسدي أحد أعمدة الإدارة السياسية للاحتلال.

ورغم أن بعض الدول قد تعتمد، في سياقات معينة، نصوصًا تتيح الإعدام أو العقوبات القصوى، فإن الفارق الجوهري هنا يكمن في أن التشريع الصادر عن الكيان الصهيوني لا يندرج ضمن منطق العدالة العامة، بل ضمن منطق الاستهداف الحصري للفلسطينيين.

إنه قانون موجّه ضد شعب واقع تحت الاحتلال، لا ضد “جريمة” بمعناها القانوني المجرد، بل ضد الهوية الوطنية ذاتها، وضد حق الفلسطيني في المقاومة، وفي البقاء، وفي رفض الخضوع لمنظومة استعمارية تطلب من الضحية أن تذعن لجلادها.

إن الكيان الصهيوني، بهذا التشريع، لا يضيف مادة قانونية جديدة فحسب، بل يكشف عن جوهره كما هو: كيان قائم على التمييز البنيوي، وعلى هندسة قانونية تُجرِّم الفلسطيني وتمنح المستوطن والصهيوني المعتدي حصانة شبه مطلقة.

فالمستوطنون، كما تشهد الوقائع اليومية، يرتكبون اعتداءات وجرائم متكررة بحق الفلسطينيين، بل وبحق جنسيات أخرى، تحت حماية جيش الاحتلال وبعلمه ومؤازرته، دون أن يطالهم ما يطال الأسرى الفلسطينيين من بطش وملاحقة. وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين الاحتلال الذي يُشرعن عنفه، وبين الشعب الواقع تحت هذا الاحتلال وهو يُعاقَب حتى على مجرد مقاومته.

ولعلّ جريمة اغتيال الإعلامية الفلسطينية-الأمريكية شيرين أبو عاقلة تبقى من أكثر الشواهد فجاجة على هذا الإفلات الصهيوني من العقاب. فقد جرى اغتيالها بدمٍ بارد، ثم تاهت التحقيقات الشكلية في دهاليز التسويف، كما جرت العادة في كل مرة يُرتكب فيها الانتهاك ثم يُعاد تدويره عبر لغة دبلوماسية باهتة.

وتأتي الولايات المتحدة، كعادتها، لتمنح الكيان الصهيوني غطاءً سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، فتتعامل مع القانون الجديد بوصفه “حقًا سياديًا”، بما يشي ليس فقط بالتواطؤ، بل بالمساهمة الفعلية في تكريس الإفلات من المساءلة الدولية.

أما على الصعيد الدولي، فقد قوبل هذا التشريع بإدانات واسعة، من أطراف عربية وأجنبية، رأت فيه خرقًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وتكريسًا لنهج الإبادة البطيئة التي يمارسها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، سواء عبر الحرب المباشرة، أو التجويع، أو الاعتقال، أو الإعدام القانوني المقنّع. غير أن الفجوة بين الإدانة والفعل تبقى هائلة؛ فالعالم يكتفي غالبًا ببيانات القلق والتنديد، فيما يواصل الكيان الصهيوني اختبار حدود الصبر الدولي، مطمئنًا إلى مظلة الحماية الأمريكية، وإلى عجز المنظومة الأوروبية عن تجاوز ترددها البنيوي.

فالاتحاد الأوروبي، رغم ما يعلنه من تمسك بالقانون الدولي، لا يزال أسير آليات إجماع تجعل كل تحرك فعلي رهينة لموافقة الجميع. لكن هذا العجز الإجرائي لا يبرر الصمت، بل يكشف درجة التواطؤ السياسي، لأن بعض الدول الأوروبية تمتلك منفردة القدرة على اتخاذ مواقف وعقوبات، لو أرادت، لكنها تفضّل الاحتماء بالبيروقراطية بدل تحمل مسؤولية الموقف. وهكذا يتحول القانون إلى شاهد على ازدواجية المعايير أكثر من كونه وسيلة للردع.

وفي هذا السياق، يصبح قانون “إعدام الأسرى” أداة لفضح طبيعة الكيان الصهيوني بوصفه كيانًا احتلاليًا، لا يعترف لا بالشرعية الدولية ولا بالمؤسسات التي أنتجتها البشرية بعد كلفة تاريخية باهظة. فهو لا يكتفي بإخضاع الفلسطيني، بل يحاول إعادة تعريف المقاومة نفسها بوصفها “إرهابًا”، في مسعى لتجريم كل فعل رفضٍ، وكل شكل من أشكال الصمود. وبذلك، لا يعود القانون مجرد نص، بل يتحول إلى سلاح سياسي لإرهاب شعبٍ كامل ومصادرة حقه في المقاومة.

ولعلّ أخطر ما في هذا التشريع أنه يعري البنية السياسية الداخلية للكيان الصهيوني، ويكشف أن الفارق بين ما يسمى “اليمين” و”اليسار” فيه ليس إلا فارقًا في الدرجة، لا في الجوهر. فالمسألة ليست بين طرف معتدل وآخر متطرف، بل بين تطرفٍ يعلن عن نفسه بصراحة، وآخر يتخفى خلف لغة دبلوماسية أكثر تهذيبًا، بينما يظلّ الهدف واحدًا: تكريس الاحتلال، وإدامة الهيمنة، وقمع الشعب الفلسطيني بأدوات قانونية وعسكرية وسياسية متشابكة.

وفي المحصلة، فإن قانون “إعدام الأسرى” ليس مجرد خطوة تشريعية عابرة، بل إعلان صريح عن هوية الكيان الصهيوني كما هي: هوية استعمارية عنصرية، لا تعرف العدالة إلا بوصفها أداة للسيطرة، ولا ترى في الفلسطيني إلا خصمًا وجوديًا ينبغي إخضاعه أو إزالته.

إنه تشريع لا يكشف فقط قسوة الاحتلال، بل يفضح أيضًا عجز النظام الدولي عن كبحه، ويؤكد أن الكيان الصهيوني ماضٍ في اختبار العالم، مستندًا إلى الحماية الأمريكية، ومتسلحًا بتواطؤ الصمت الدولي، فيما يبقى الشعب الفلسطيني وحده في مواجهة آلة القمع والإلغاء.

رابط دائم : https://dzair.cc/23ja نسخ

اقرأ أيضًا