لم تعد مقرات الشرطة في المغرب أماكن لإنفاذ القانون، بل تحولت في ظل تغول الأجهزة الأمنية إلى ثقوب سوداء تبتلع أرواح الشباب المغربي تحت مسميات واهية. قضية الشاب الراحل عمر الحلفي، الذي فارق الحياة داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في ظروف غامضة، تعود اليوم لتتصدر المشهد الحقوقي في المغرب بعد تفجير المحامي رشيد آيت العربي لقنبلة مدوية: تفريغ كاميرات المراقبة لا يظهر أي مشهد لانتحار الفقيد، مما ينسف الرواية الرسمية لنيابة المخزن التي سارعت لحفظ الملف بدعوى انتفاء العنصر الجرمي.
كاميرات صامتة وبلاغات كاذبة
إن تأكيدات دفاع عائلة الحلفي بعدم وجود أي مقطع فيديو يثبت إقدام الشاب على رمي نفسه من النافذة، تضع الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في موقف محرج أمام الرأي العام الدولي والمحلي. فكيف لبلاغ رسمي أن يجزم بالانتحار بينما تعجز أحدث تقنيات المراقبة في مقر أمني حساس عن توثيق اللحظة؟ هذا التناقض الصارخ يعزز الشكوك حول وجود سيناريو معد مسبقاً للتغطية على ما قد يكون تعذيباً أفضى إلى الموت أو تصفيراً جسدياً لشاب استُدعي لتحقيق عادي فخرج جثة هامدة.
دهاليز الفرقة الوطنية: تاريخ من السقوط الغامض
ليست هذه المرة الأولى التي يلقى فيها معتقلون أو مستدعون للتحقيق حتفهم سقوطاً من النوافذ في مقرات الأمن المغربية، وهو ما بات يُعرف في الأوساط الحقوقية بـ “متلازمة النوافذ المفتوحة” في مراكز التحقيق. إن إصرار عائلة الحلفي على طلب تشريح طبي دقيق ومستقل، ورفضها لقرار الحفظ السريع للحادثة، يعكس فقدان الثقة الكامل في مؤسسات القضاء التابعة للمخزن، والتي غالباً ما تتحول إلى مصلحة لتبييض جرائم الأجهزة الأمنية وإغلاق الملفات الحارقة تحت ذريعة “القضاء والقدر”.
أين الحقيقة؟.. مطالب بتحقيق دولي
إن مطالبة العائلة بتفريغ التسجيلات منذ لحظة دخول الفقيد إلى حين وفاته دون تقطيع أو حذف، تكشف عن مخاوف مشروعة من تلاعب تقني بالدليل الجنائي. ففي دولة تدعي الرقمنة والعصرنة، يبدو أن الكاميرات تُصاب بالعمى فقط عندما يتعلق الأمر بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان داخل المقرات السيادية. إن قضية عمر الحلفي اليوم لم تعد قضية أسرة مكلومة فحسب، بل هي قضية شعب يواجه آلة قمعية لا تكتفي بسلب الحريات، بل تسلب الأرواح وتلفق الروايات للإفلات من العقاب.
من المؤكد أن المخزن بصدد تكرار سيناريوهات الإفلات من العقاب التي طبعت سنوات الرصاص. إن غياب دليل بصري على “الانتحار” المزعوم هو دليل إدانة كافٍ لإعادة فتح التحقيق تحت إشراف دولي محايد. فدماء عمر الحلفي تلاحق أجهزة الفرقة الوطنية، وصرخة محاميه آيت العربي هي جرس إنذار بأن “متلازمة النوافذ المفتوحة” لن تمر هذه المرة دون فضح المستور. فهل يجرؤ القضاء المغربي على محاسبة الجلادين داخل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، أم أن “حفظ الملف” هو القرار السيادي الوحيد الذي يتقنه النظام لحماية أدوات قمعه؟
