الأحد 07 ديسمبر 2025

“كيف التقطتُ في 1975 صورة الطفلة التي أصبحت أيقونة النضال الصحراوي؟”

نُشر في:
“كيف التقطتُ في 1975 صورة الطفلة التي أصبحت أيقونة النضال الصحراوي؟”

في سنة 1975، ومع وصول بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء، توقفت السرية الإسبانية التي كانت تحيط بالمنطقة التي كانت تُعرف آنذاك بـ “المادة المحفوظة”، وأصبح بإمكان الصحفيين دخول الإقليم للحديث عن المقاطعة الإسبانية رقم 53.

كنتُ حينها صحفياً، وكنتُ من بين الذين حالفهم الحظ في متابعة أهم أحداث مسار تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية خلال عامي 1975 و1976، ثم لاحقاً من خلال زياراتي المتكررة إلى مخيمات اللاجئين بتندوف حتى نوفمبر 2024.

بعدستي، وثّقت آلاف الصور التي تشكّل اليوم هذا المعرض الفوتوغرافي الذي يُخلّد مرور خمسين سنة على انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية، وتروي – بترتيب زمني – الوجود الإسباني في الإقليم منذ عام 1884 إلى غاية انسحابها سنة 1976، ثم مسيرة الكفاح ضدّ المغرب على مدى نصف قرن من الزمن.

ومن بين آلاف الصور التي التقطتها، هناك واحدة لا تفارق ذاكرتي: صورة طفلة صحراوية في السابعة من عمرها فقط، تحمل علم جبهة البوليساريو، ووجهها يعبّر عن مزيج من الكبرياء والغضب، في لحظة وصول بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء.

لقد التقطتُ تلك الصورة في اللحظة التي هبطت فيها الطائرة التي كانت تقلّ ثلاثة من ممثلي الأمم المتحدة إلى الأراضي الصحراوية.

قبل هبوط الطائرة بلحظات، كان جميع الصحراويين الذين ينتظرون وصول الوفد الأممي يرفعون أعلام حزبٍ أنشأته إسبانيا يُعرف باسم PUNS، لكنّ المشهد تغيّر تماماً بمجرد نزول الوفد الأممي والصحافة الدولية، إذ اختفت أعلام الـ PUNS فجأة، وارتفعت مكانها أعلام جبهة البوليساريو، في مشهدٍ أربك السلطات الإسبانية والصحفيين على حد سواء.

عند أحد الجدران، رأيت تلك الطفلة الصغيرة، تحمل علم البوليساريو بإصرار، ووجهها يعكس كلّ ما يمكن أن يُعبّر به طفل عن العجز والكرامة في آن واحد.

تلك الصورة أصبحت، وما تزال، رمزاً نضالياً خالداً، تُرفع في جميع المظاهرات الصحراوية منذ ذلك الحين. ما زلتُ أذكرها جيداً وهي تُعلّق على دراجة “فيستا” يقودها بيبي تابوادا، وإلى جانبه رفيقه لويس، يحملان العلم ذاته سنة 1976 وما بعدها.

ورغم أنّ لديّ مئات الصور التي أعتزّ بها، إلا أنّ هذه الصورة بالذات تظلّ الأكثر تعبيراً بالنسبة إليّ. فالطفلة التي التقطتُ صورتها نجت من كلّ الاعتقالات والقمع والهجمات المغربية، لكنها ما تزال حتى اليوم تعيش في خوفٍ دائم من انتقام الاحتلال المغربي.

لقد كانت تلك اللقطة أكثر من مجرد صورة؛ كانت صرخة شعبٍ بأكمله في وجه التاريخ، التقطتها طفلة بعيونها الصافية، لتصبح بعد خمسين عاماً أيقونةً لنضالٍ لم ينتهِ بعد.


خوسيه لويس دي بابْلوس هو صحفي ومصور ميداني، شغل منصب رئيس قسم التصوير في مجلة “Cambio 16″، وعمل في وكالات Kappa Press Photo وBlasón وPromedios TV. كما كان مراسلاً حربياً في البرتغال، الصحراء الغربية، الجزائر، أنغولا، زائير، الكونغو برازافيل، نيكاراغوا، هندوراس، غينيا الاستوائية، موريتانيا، فلسطين، الأردن والعراق.

رابط دائم : https://dzair.cc/v1o0 نسخ

اقرأ أيضًا