الاثنين 20 أفريل 2026

مضيق هرمز وإعادة تشكيل ميزان الردع: حين يفرض الصمود الإيراني معادلاته على حربٍ بلا أفق.. بقلم د. هناء سعادة

نُشر في:
بقلم: د. هناء سعادة
مضيق هرمز وإعادة تشكيل ميزان الردع: حين يفرض الصمود الإيراني معادلاته على حربٍ بلا أفق.. بقلم د. هناء سعادة

ليست الحروب الكبرى مجرّد مواجهات عسكرية تُقاس بحجم النيران أو كثافة الضربات، بل هي، في جوهرها، اختبارات قاسية لصلابة التصورات الاستراتيجية وقدرتها على الصمود أمام الواقع. وفي هذا الإطار، تكشف المواجهة الدائرة مع إيران عن تحوّل عميق لم يكن في الحسبان: انتقال مركز الثقل من مشروع الهيمنة إلى لحظة ارتباك تعيد فيها القوة العظمى تعريف غاياتها تحت ضغط الميدان.

في البدايات، بدا المشهد محسومًا في الخطاب على الأقل. أهداف كبرى صيغت بلغة الجزم: إسقاط النظام، تفكيك البرنامج النووي، وتحييد القدرات الصاروخية. غير أنّ ما تلا ذلك لم يكن امتدادًا لهذه الرؤية، بل انحرافًا عنها. فالميدان، بعنادِه وتعقيداته، فرض منطقه الخاص، وأجبر صانع القرار على التراجع التدريجي نحو أهداف أقل طموحًا، إلى أن استقر الخطاب عند عنوانٍ واحد: تأمين الملاحة في مضيق هرمز.

غير أنّ هذا التحوّل لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تعديل تكتيكي، بل هو تعبير عن خللٍ بنيوي في التقدير. فمضيق هرمز لم يكن يومًا تفصيلًا عابرًا في معادلة الصراع، بل ظلّ، لعقود، أحد أبرز أدوات الردع التي تمتلكها إيران. وإدراجه المتأخر في صدارة الخطاب يكشف أن المشكلة لم تكن في سلوك طهران، بل في افتراضاتٍ أولية أغفلت جوهر الاستراتيجية الإيرانية القائمة على تحويل نقاط الضعف إلى مصادر قوة.

لقد أدارت إيران المواجهة ضمن منطقٍ مختلف، لا يقوم على مجاراة التفوق العسكري التقليدي، بل على إعادة تعريف ميدان الاشتباك ذاته. فبدل السعي إلى السيطرة، اعتمدت على رفع كلفة الاستخدام، وجعل الفضاءات الحيوية—وفي مقدمتها المضائق البحرية—مناطق خطر دائم. وهنا يتجلّى التحوّل النوعي: من معركة على الأرض إلى معركة على شروط الحركة نفسها.

في المقابل، انطلقت الحسابات الأمريكية من فرضية حاسمة مفادها أن الضربة السريعة كفيلة بإحداث اختلال داخلي يقود إلى انهيار سياسي. غير أنّ هذا الرهان، الذي بدا متماسكًا نظريًا، اصطدم بواقعٍ مغاير؛ إذ لم تتفكك بنية الدولة، ولم تنكفئ قدراتها الدفاعية، بل استمرت في إنتاج ردودٍ محسوبة، حافظت على توازن الردع ومنعت الانزلاق نحو الحسم الأحادي.

هذا التباين بين التوقع والواقع أفضى إلى تحوّل في طبيعة الخطاب السياسي. لم يعد الحديث يدور حول إعادة تشكيل النظام، بل حول إدارة المخاطر وتفادي الأسوأ. وهي لغة تعكس، في عمقها، انتقالًا من موقع المبادرة إلى موقع الاحتواء، ومن مشروعٍ هجومي إلى مقاربة دفاعية تسعى إلى تقليص الخسائر بدل تحقيق المكاسب.

وفي هذا السياق، برزت المواقف الأوروبية كعامل توازن إضافي، إذ امتنعت عن الانخراط في اندفاعة التصعيد، مفضّلة مقاربة أكثر حذرًا تأخذ في الاعتبار تعقيدات المشهد الإقليمي. فالتعامل مع مضيق هرمز لا ينفصل عن شبكة واسعة من التوازنات القانونية والسياسية، تجعل أي تحرك عسكري محفوفًا بمخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع، تتجاوز حدود السيطرة.

أما على مستوى النظام الدولي، فقد كشفت الأزمة عن حدود القدرة على توظيف المؤسسات متعددة الأطراف في خدمة الأجندات الأحادية. فمجلس الأمن، بتوازناته الدقيقة، لم يكن مجالًا مفتوحًا لإضفاء شرعية على تصعيدٍ يفتقر إلى توافق دولي، ما وضع واشنطن أمام معادلة صعبة بين التحرك خارج الإطار الشرعي أو القبول بقيوده.

في قلب هذه التحولات، يبرز مضيق هرمز بوصفه أكثر من مجرد ممر مائي؛ إنه عقدة استراتيجية تختزل طبيعة الصراع بأكمله. فالسعي إلى “تأمينه” لا يقتصر على إجراءات عسكرية محدودة، بل يستدعي إعادة تشكيل كاملة للانتشار العسكري، والتعامل مع بيئة عملياتية معقّدة، تتداخل فيها التهديدات التقليدية وغير التقليدية. أي أنّ الهدف الذي يبدو تقنيًا في ظاهره، ينطوي على كلفة استراتيجية مفتوحة.

في المقابل، يفرض الصمود الإيراني نفسه بوصفه متغيرًا حاسمًا في معادلة القوة. فهذا الصمود لم يكن مجرد تحمّلٍ للضغوط، بل كان فعلًا استراتيجيًا قائمًا على تماسك داخلي، واستمرارية مؤسساتية، ورؤية طويلة الأمد تعيد إنتاج عناصر القوة تحت الضغط. وهو ما أفضى إلى نتيجة جوهرية: تعطيل الرهان على الحسم، وفرض معادلة استنزاف متبادل لا تخدم الطرف المبادر بالحرب.

وفي خضمّ ذلك، يتكشّف تناقض عميق في الخطاب الغربي، الذي يستند إلى مفاهيم القانون الدولي وحرية الملاحة، في وقتٍ تُدار فيه العمليات خارج هذه الأطر. هذا التناقض لا يضعف فقط شرعية التحرك، بل يقوّض أيضًا القدرة على بناء تحالفات واسعة تستند إلى الثقة والمصداقية.

خلاصة المشهد أنّ مضيق هرمز لم يتحوّل إلى مركز الحرب صدفة، بل نتيجة مسارٍ من إعادة التموضع فرضته الوقائع. فالحرب التي انطلقت بوعد الحسم، وجدت نفسها أمام واقعٍ يعيد ترتيب الأولويات، ويكشف حدود القوة حين تصطدم بإرادةٍ متماسكة.

وهكذا، لم تعد المعركة تُقاس بما أُعلن في بدايتها، بل بما فرضه الميدان من مراجعات، ولا بما طُرح من أهدافٍ كبرى، بل بما تمّ تقليصه منها. وفي هذا التحوّل تتجلّى الحقيقة الأعمق: أن الصمود، حين يُدار بعقلٍ استراتيجي، لا يكتفي بمقاومة الضغوط، بل يعيد صياغة قواعد اللعبة، ويفرض على خصومه خوض حربٍ بشروط لم يختاروها.

رابط دائم : https://dzair.cc/yxfh نسخ

اقرأ أيضًا