الأحد 25 جانفي 2026

معارضة بلا ذاكرة… عندما تتحول حمس إلى تاجر أزمات… مساهمة لمصطفى بلقاضي

نُشر في:
بقلم: مصطفى بلقاضي
معارضة بلا ذاكرة… عندما تتحول حمس إلى تاجر أزمات… مساهمة لمصطفى بلقاضي

لم تعد حركة مجتمع السلم تمارس السياسة، بل تمارس تجارة الغضب. كلما تحرك الشارع، خرجت الحركة من جحر الانتظار لتضع نفسها في واجهة المشهد، لا دفاعًا عن المواطنين، بل بحثًا عن موطئ قدم في بورصة الأزمات.

إن ما صدر عن الحركة ليس موقفًا سياسيًا، بل مزايدة فجّة تخفي خلفها تاريخًا مثقلًا بالصمت، والتواطؤ، والانتفاع من نظام تحاول أن تكون أول من يتبرأ منه.

تتباكى حركة حمس على القدرة الشرائية وكأن الجزائر لم تشهد منذ 2019 أكبر حزمة قرارات اجتماعية في تاريخها الحديث: إلغاء الضريبة على الدخل، زيادات غير مسبوقة في الأجور بلغت 47 بالمئة، مراجعة مهمة لمنح المتقاعدين، استحداث منحة البطالة لفائدة قرابة مليوني مستفيد، ثم رفعها إلى 18 ألف دينار، مع تجميد فرض الضرائب الجديدة عبر قوانين المالية المتعاقبة ورفض المساس بأسعار الكهرباء والماء والمواد الأساسية مع قرار تسقيف أسعار مواد جديدة رغم النزيف المالي الذي تتحمله الخزينة العمومية، لكن كل ذلك لا يهم حركة لا ترى إلا ما يخدم خطابها الشعبوي، ولا تعترف إلا بما ينسجم مع أجندتها الانتخابية.

بل إن الدولة لم تكتفِ بالدعم الاجتماعي، بل تحملت كلفة استراتيجية ثقيلة عبر إنجاز خمس محطات كبرى لتحلية مياه البحر، وتخطط لإطلاق محطات جديدة عبر كل الولايات الساحلية، مع التزام الحكومة بمواصلة تحمل الفارق بين سعر تكلفة تحلية مياه البحر وسعر البيع للمواطن، في وقت اختارت فيه حمس الصراخ بدل الفهم، والتهويل بدل التحليل.

الذاكرة الانتقائية للحركة أسقطت كذلك مشروع “عدل 3” لإنجاز مليون وحدة سكنية، الذي سيستفيد منه قرابة 5 ملايين مواطن جزائري على أساس معدلات شغل المساكن الحالية التي تناهز 4.5 مواطن لكل بيت، فضلا عن إطلاق السيد الرئيس للمشاريع استراتيجية عملاقة على غرار غارا جبيلات، وواد أميزور للزنك والرصاص، والفوسفات المدمج، والزراعات الاستراتيجية في الجنوب، ورفع التجميد عن أكثر من 900 مشروع اقتصادي في قطاعات حيوية وفّرت 82 ألف منصب شغل مباشر، بعد أن حاولت بيروقراطية العهد البائد خنقها بذريعة “الأزمة الاقتصادية” لعام 2015.
هذه ليست هفوة، بل تعمد سياسي لأن الاعتراف بالمنجزات ينسف رواية “الدولة العاجزة” التي تتغذى عليها الحركة.

الأكثر وقاحة أن حمس، التي تصرخ اليوم، صمتت صمت المقابر عندما وقف أحمد أويحيى في سبتمبر 2017 ليعلن من البرلمان أن الجزائر مقبلة على “الجحيم”، وأن الدولة لا تملك أن تدفع أجور شهر نوفمبر 2017. لم نسمع حينها بيانًا ولا احتجاجًا ولا دمعة حرص على المواطن، رغم أن مرحلة اشراف اويحي على الحكومة منتصف التسعينات على سبيل المثال، شهدت غلق آلاف المؤسسات وتسريح أكثر من نصف مليون عامل.

يومها، لم تكن القدرة الشرائية تهم الحركة، لأن موقعها كان داخل الدائرة لا خارجها، وكانت ضمن التحالف الرئاسي قبل أن تقفز من الباخرة مع البوادر الأولى للحراك، كما أن الحركة لم يرفّ لها جفن عندما قررت حكومة سلال طباعة 6.400 مليار دينار دون غطاء نقدي، في أكبر جريمة اقتصادية في تاريخ البلاد الحديث، لا تزال الجزائر تدفع ثمنها تضخمًا وانهيارًا للعملة وتآكلًا للأجور، قبل أن يتبجح بعض شداد الآفاق في تحميل الرئيس عبد المجيد تبون مسؤولية ذلك وهو الذي يحاول تعزيز القدرة الشرائية وتحسين قيمة العملة الوطنية ومحاصرة الكتلة النقدية الضخمة التي تخفيها بعض القوى المناوئة للدولة خارج الدائرة الرسمية.

اليوم، بكل صفاقة، تحمّل حمس الحكومة الحالية نتائج خراب كانت شريكة سياسية في صنعه، بحكم وجودها لسنوات ضمن التحالف الرئاسي، حيث كانت المناصب، والحقائب، والقروض، وامتيازات الترضية مفتوحة بلا حساب.

في المقابل، جاءت حكومات الرئيس عبد المجيد تبون لترميم دولة نُهبت لسنوات طويلة، فاختارت طريقًا صعبًا: محاربة تضخيم الفواتير، ضرب شبكات السوق الموازية، خلق مناصب شغل حقيقية من خلال الاف المشاريع الاستثمارية الحقيقية محاربة اقتصاد البازار والحاويات والانتقال بالبلاد إلى بناء اقتصاد حقيقي يقوم على إعادة الاعتبار لقيمة العمل، كما لم يتوانى الرئيس في عمل لفتة اجتماعية ذات قيمة عالية انتظرها المجتمع منذ عقود تمثلت في رفع منحة السفر إلى 750 يورو بعد عقدين من الإذلال عند سقف 100 يورو، رغم أن احتياطي الصرف في تلك الفترة تجاوز 192 مليار دولار، نُهب جزء كبير منه تحت أنف أنظمة كانت حمس جزءًا من ديكورها السياسي.

والمثير للاشمئزاز أن الحركة لا تظهر إلا حيث توجد الفوضى، بينما اختفت تمامًا عندما فُتحت البلاد على مصراعيها أمام فرنسا وشركاتها لافتراس الاقتصاد الوطني دون قيمة مضافة، وتحويل الجزائر إلى سوق استهلاكية رخيصة.
لم نسمع احتجاجًا لأن نموذج “البازار والشنطة” كان مربحًا، أما الاستثمار الحقيقي والسيادة الاقتصادية فلا تخدم خطاب الحركة ولا مصالحها.

أما بكاؤها على مشروع قانون المرور فليس إلا نفاقًا سياسيا، قانون لم يُسنّ إلا لحماية الأرواح، ولن يطال إلا المتهورين من متعاطي المخدرات والمهلوسات والكحول. لكنها تحتاج أي ذريعة لإشعال الضجيج، حتى لو كان على حساب أرواح الأبرياء.

إن بيان حمس الأخير لا يمثل معارضة، بل يمثل انفصالًا نهائيًا عن مدرسة الشيخ محفوظ نحناح، الذي كان يفهم أن الاستقرار ليس شعارًا بل شرط بقاء الدولة. أما وهم الوصول إلى الحكم على أنقاض الاحتجاجات فقد جرّبته شعوب كثيرة، وكانت النتيجة دولًا مدمرة، ومجتمعات ممزقة، وحكمًا لنفس التيار الذي تنتمي إليه حمس اليوم.

الجزائر لا تحتاج تجار أزمات، ولا معارضة موسمية، ولا خطابات بكائية انتقائية.
الجزائر تحتاج من يعترف بماضيه قبل أن ينصّب نفسه قاضيًا على الحاضر.وما دون ذلك فهو مجرد مزايدة سياسية في سوق الغضب.

رابط دائم : https://dzair.cc/9k4k نسخ

اقرأ أيضًا