في المغرب، يبدو أن الحزام الوطني قطعة قماش عجيبة، يتم شدّه كلما ضاق جيب المواطن، لكنه يتمدد بشكل مذهل كلما اقتربنا من أسوار القصور.
يُقال للمغاربة اليوم إن المرحلة صعبة، وإن الظرفية الدولية قاسية، وإن المناخ لم يرحم الزرع ولا الضرع، فجأة أصبح الخروف كائناً اقتصادياً مهدِّداً للاستقرار المالي، وصار ثمن اللحم مؤشراً جيواستراتيجياً، وأضحى “الحوت” رفاهية تسبح بعيداً عن موائد الطبقة المتوسطة، فما بالك بالبسيطة.
المواطن يركض خلف كيلو سردين كما كان يركض خلف حلم الهجرة. الفرق الوحيد أن البحر أقرب من أوروبا… لكن حتى البحر لم يعد مجانياً.
كل خطاب رسمي يبدأ بكلمات مثل “الترشيد” و”التضامن” و”تحمّل المسؤولية”. كلمات جميلة، لولا أن المواطن يشعر دائماً أنه الحلقة الأكثر تدريباً على التضحية، هو من يؤجل شراء اللحم، هو من يخفف الاستهلاك، هو من يقتنع أن الأزمة قدرٌ محتوم… بينما لا يرى القدر نفسه يطرق أبواب الامتيازات الكبيرة.
السؤال الذي يتردد في المقاهي قبل الجرائد
هل التقشف قرار أفقي يمر على الجميع، أم هو تعليمات رأسية تبدأ من أسفل الهرم فقط؟
حين يُطلب من الناس شدّ الحزام، فإن أول ما يبحثون عنه هو المثال. لأن العدالة لا تُقاس بعدد البلاغات، بل بعدد الإشارات التي توحي بأن الجميع داخل الدائرة نفسها. التقشف إن لم يكن مشهداً عاماً، يصبح نصيحة أخلاقية موجّهة للفقراء فقط.
المغاربة لا يطلبون المستحيل. لا ينتظرون أن يتحول الغلاء إلى ذكرى، ولا أن تمطر السماء لحماً وحوتاً. ما يريدونه ببساطة هو شعور بالمساواة في الوجع. أن تكون التضحية مشتركة، لا موزعة حسب الموقع الاجتماعي.
فالسياسة ليست خطاباً عن شدّ الحزام…
بل اختباراً لمن يبدأ أولاً بشدّه على نفسه.
وفي بلد يعرف جيداً معنى الكرامة، أخطر ما يمكن أن يحدث ليس ارتفاع الأسعار… بل انخفاض الثقة.
بقلم موسى بوغراب
