يبدو أن نظام المخزن المغربي يعيش هذه الأيام حالة من الانفصام السياسي والإعلامي بين ما جرى فعلاً في أروقة مجلس الأمن، وما يروّجه لشارعه من انتصارات وهمية لا وجود لها إلا في نشرات القنوات الرسمية ومقالات الأقلام المأجورة.
فبينما خرج القرار الأممي الأخير خاليًا من أي إشارة إلى “السيادة المغربية” على الصحراء الغربية، سارع الإعلام المخزني إلى وصفه بـ”الانتصار الدبلوماسي الكبير”، متحدثًا عن “تتويج لمقترح الحكم الذاتي”، في حين أن نص القرار الأممي نفسه جاء بعيدًا تمامًا عن هذا التوصيف.
القرار الذي صوّت عليه مجلس الأمن في جلسة الجمعة الماضية لم يتناول بتاتًا مسألة الوضع النهائي للإقليم، بل اقتصر على تجديد ولاية بعثة المينورسو لعام إضافي، وهي البعثة التي تحمل في اسمها ومهامها عبارة واضحة لا تحتمل التأويل: Mission des Nations Unies pour l’organisation d’un référendum au Sahara Occidental، أي “بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء تقرير المصير في الصحراء الغربية”.
فكيف يمكن الحديث عن “اعتراف ضمني بالسيادة المغربية” بينما الأمم المتحدة تواصل تمديد مهمة بعثة هدفها الأساس هو تنظيم استفتاء لتقرير المصير؟
الأدهى من ذلك أن الفقرة الثانية من القرار الأممي الجديد تعبّر صراحة عن دعم مجلس الأمن الكامل للأمين العام للأمم المتحدة ولممثله الشخصي في تيسير مفاوضات مباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو، على أساس مقترح الحكم الذاتي من جهة، وأي مقترحات بناءة من الطرف الآخر. وهذا يعني بوضوح أن القرار لم يمنح الأفضلية لأي طرف، بل فتح الباب أمام الردّ الصحراوي الرسمي على المقترح المغربي، وهو ما حدث بالفعل حين قدّمت جبهة البوليساريو يوم 23 أكتوبر رسالة رسمية إلى الأمين العام تتضمن ملاحظاتها ومقترحاتها بشأن مسار التسوية.
إذن، أين هو “النصر الدبلوماسي” الذي يروّج له المخزن؟
الجواب بسيط: إنه نصر في الخيال الدعائي لا أكثر.
نظام المخزن، الذي يعيش ضغوطًا داخلية خانقة بفعل أزماته الاقتصادية والاجتماعية وتململ الشباب المغربي الذي يصنفه المراقبون ضمن “جيل Z الغاضب”، وجد في القرار الأممي فرصة لتسويق وهم الانتصار الوطني.
فالإعلام الرسمي والمقرب من القصر، وعلى رأسه الأبواق المعتادة، حوّل نقاش مجلس الأمن إلى مهرجان من الشعارات الفارغة، متحدثًا عن “اعتراف ضمني بالحكم الذاتي” و”تأييد دولي واسع للمغرب”، متجاهلًا أن نص القرار لم يستخدم إطلاقًا عبارات مثل “سيادة” أو “اعتراف” أو “تأييد لمغربية الصحراء”.
في المقابل، جاءت القراءة الهادئة للمراقبين الدوليين مغايرة تمامًا:
فالولايات المتحدة، التي تولّت صياغة المسودة الأولى، لم تفرض هذه المرة رؤيتها بشكل قاطع كما كانت تفعل إدارة ترامب سنة 2020 حين أعلنت اعترافها الأحادي بسيادة المغرب مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني. بل بدا الموقف الأمريكي هذه المرة براغماتيًا ومحسوبًا، لأن الإدارة الأمريكية الحالية لا تريد خسارة الجزائر، الشريك الحيوي في ملفات الطاقة ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية.
أما روسيا والصين، اللتان طالما كان المخزن يراهن على حيادهما، فقد امتنعتا عن منح القرار أي دلالة سيادية، مفضلتين الموازنة بين مصالحهما مع الغرب وبين التمسك بمبادئ القانون الدولي، وعلى رأسها حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وعليه، يمكن القول إن القرار الأممي الأخير لم يكن انتصارًا لأي طرف، بل كان تجديدًا تقنيًا لمهمة المينورسو وتأكيدًا على ضرورة العودة إلى المفاوضات المباشرة بين الجانبين.
الفرق فقط أن الجزائر، التي لم تتورط في المساومات أو صفقات التطبيع، خرجت بشرف سياسي ودبلوماسي لا غبار عليه، بينما خرج المخزن مغلفًا بوهم الانتصار، يخاطب به جمهوره المحلي المأزوم ويغطي به على فشل داخلي متفاقم في كل الملفات الحيوية، من التعليم والصحة إلى الاقتصاد والفساد.
إن التضليل المخزني لا يقتصر على تزييف الحقائق السياسية، بل يمتد إلى تحريف النصوص الأممية نفسها.
فبينما يشير القرار إلى “التوصل إلى حل دائم ومقبول للطرفين يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة”، يقدّم الإعلام المغربي هذه الفقرة على أنها “إقرار أممي بمغربية الصحراء”!
وهنا يبرز الخطر الحقيقي: حين يتحوّل الخطاب الرسمي لدولة إلى آلة لتزييف الوعي الجماعي، يصبح من المستحيل بناء أي ثقة داخلية أو خارجية.
في الجوهر، القضية الصحراوية لم تُحسم بعد، ولن تُحسم إلا وفق مبدأ تقرير المصير الذي التزمت به الأمم المتحدة منذ عقود.
والحقيقة التي يحاول المخزن طمسها أن الصحراويين ما زالوا طرفًا معترفًا به في النزاع، وأن المجتمع الدولي لم يسحب منهم هذا الاعتراف، بل جدّد له من خلال دعوته الصريحة إلى تقديم مقترحاتهم ومواصلة المفاوضات.
بل إن الفقرة الرابعة عشرة من القرار أكدت بوضوح ضرورة احترام وقف إطلاق النار والامتناع عن أي أعمال من شأنها تقويض العملية السياسية، وهو تذكير ضمني للمغرب بالكف عن استفزازاته في المناطق العازلة وباحترام التزاماته الأممية.
وبينما يواصل المخزن ترويج خطاب “السيادة المكتسبة”، تتعامل جبهة البوليساريو بواقعية وهدوء سياسي، إذ رحبت بمواصلة جهود الأمم المتحدة مع تمسكها بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، معتبرة أن أي حل لا يقوم على هذا الأساس هو مجرد التفاف على الشرعية الدولية.
في النهاية، يمكن القول إن نظام المخزن لم يحقق نصراً، بل ارتكب تضليلاً، وإن القرار الأممي الأخير فضحه أكثر مما خدمه.
فالعالم لا يُقاس بعدد التصريحات أو المقالات الدعائية، بل بالنصوص الرسمية الموثقة.
وفي النص الرسمي، لا وجود لأي اعتراف بالسيادة المغربية، بل تأكيد متجدد على أن الحل يجب أن يكون مقبولاً من الطرفين ومنسجمًا مع ميثاق الأمم المتحدة.
وبين من يراهن على التهريج الإعلامي ومن يراهن على الشرعية الدولية، يبقى الشعب الصحراوي هو المنتصر الحقيقي بالصبر والثبات، لأن الكلمة الأخيرة لن تكون لمن يملك المال أو النفوذ، بل لمن يملك الحق والتاريخ والشرعية.
