الخميس 22 جانفي 2026

وراء أضواء كأس إفريقيا.. الحوز تنزف في صمت ولا تزال تعيش تحت أنقاض الزلزال

نُشر في:
وراء أضواء كأس إفريقيا.. الحوز تنزف في صمت ولا تزال تعيش تحت أنقاض الزلزال

بينما تتجه أنظار القارة الإفريقية إلى ملاعب المغرب، وتعلو الهتافات تحت أضواء كأس الأمم الإفريقية، ثمة مشهد آخر يُدفع عمداً إلى الهامش، مشهد لا تحجبه الشاشات العملاقة ولا تصفيق الجماهير: قرى الحوز التي ما تزال تعيش تحت أنقاض زلزال لم يتحول بعد إلى ذكرى.

ليست هذه مفارقة عابرة، بل صورة مكثفة عن اختلال الأولويات. فبينما تُرصد الملايير لتلميع الواجهة الرياضية، لا تزال قرى بأكملها، مثل “أسني” في سفوح الأطلس، عالقة بين الركام، بين خيام مؤقتة تحولت إلى قدر دائم، وبيوت إسمنتية باردة اقتُلعت من روح المكان وذاكرته.

ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز عبر منصتها “ذا أثلتيك” ليس مجرد تقرير إنساني، بل شهادة إدانة صريحة. قرية كانت تُوصَف بـ”الجنة” المطلة على جبل توبقال، تحولت في ليلة واحدة إلى جرح مفتوح: 95 بالمئة من المباني دُمّرت، والنسيج الاجتماعي تمزق، والطمأنينة انهارت مع البيوت الطينية التي بناها الأمازيغ جيلاً بعد جيل.

الزلزال لم يقتل فقط قرابة ثلاثة آلاف شخص، بل زعزع فكرة الأمان نفسها. أطفال يُنقلون بعيداً عن عائلاتهم للدراسة في مراكش، كوابيس تطاردهم ليلاً، آباء وأمهات يخفون خوفهم لأن الخوف صار ترفاً لا يسمح به واقع البقاء. هذه ليست “تبعات طبيعية لكارثة”، بل نتائج مباشرة لبطء إعادة الإعمار وغياب العدالة في توزيع الدعم.

صحيح أن الحكومة أعلنت عن مساعدات مالية، لكن الواقع، كما يشهد به سكان المنطقة، يقول إن المال لا يكفي حين يُوزّع بمنطق النفوذ لا بمنطق الحاجة. حين يشعر الفقراء أن الدعم لا يصلهم إلا أخيراً، أو لا يصل أبداً، يتحول الإعمار من وعد إلى أداة تمييز جديدة.

الأكثر إيلاماً هو هذا الصمت الرسمي المطبق، كأن الحوز صفحة طُويت لأن البطولة لا تحتمل صور الخيام ولا حكايات الفقد. الاحتجاجات التي انتقدت إنفاق الأموال على الملاعب لم تكن رفضاً لكرة القدم، بل صرخة ضد تحويل الرياضة إلى غطاء لإخفاء المأساة.

نعم، كرة القدم قد تُحسن صورة المغرب، وقد تُنعش السياحة، كما يقول بعض أبناء أسني. لكن أي صورة نريد؟ صورة ملاعب حديثة تحيط بها قرى منكوبة؟ أم صورة دولة قادرة على التوفيق بين الاحتفال بالحياة والوفاء لضحاياها؟

الحوز اليوم ليست مجرد منطقة منكوبة، بل مرآة أخلاقية. مرآة تطرح سؤالاً لا يمكن للهتافات أن تغطيه:
هل تُبنى الدول بالملاعب أولاً، أم بكرامة مواطنيها؟

وراء احتفالات كأس إفريقيا، ثمة قصص إنسانية لم تنتهِ، وجرح لم يندمل، وصمت رسمي لا يقل قسوة عن الزلزال نفسه.

رابط دائم : https://dzair.cc/eq7q نسخ

اقرأ أيضًا